الأحد، 23 أبريل 2023

الجهاد الافغاني بين غلو التقديس وغلو التخوين

حقائق غائبة  


الفصل التاسع والعشرون

بداية النهاية

لقد انتهى العقد الأول من الحرب دون أية نتائج تستحق الذكر. وكما أسلفنا فقد وصل باراك أوباما إلى البيت الأبيض وبدأ رئاسته بإرسال تعزيزات جديدة من قواته إلى أفغانستان مع تكثيف العمليات العسكرية والاستخبارية هناك وهذا ما فسره البعض بأنه البداية لإنهاء الحرب مثلما فعله الأمريكيون في حرب فيتنام في ستينات وسبعينات القرن الماضي حيث كثفوا امن وحشيتهم في تلك الحرب عندما بدأوا التفاوض باريس مع فيتنام الشمالية وثوار الفيتكونغ الذين كانوا يقاتلون الأمريكيين وذلك في عام ١٩٦٨ أي قبل الانسحاب  بسبع سنوات وقد بدأ حلفاء الأمريكيين بالتململ من تلك الحرب والتي دخلوها بحماس شديد في البداية ولكن مع استمرار المعارك دون أية نتيجة تذكر بدأ حلفاء الأمريكيين يفكرون بالتفاوض مع طالبان وكان الألمان أول من  بدأ تلك المفاوضات والتي كانت غير مباشرة وذلك منذ منتصف العقد الأول من هذا القرن

وعلى أية حال فقد أصبح الأمريكيون مقتنعين باستحالة الحسم العسكري في تلك الحرب التي بدؤوها عام ٢٠٠١ ولا مفر من الانسحاب من المستنقع الأفغاني بعد أن أيقنوا أن تلك البلاد عصية على الاحتلال

بدأت المفاوضات بشكل رسمي عام ٢٠١١ والتي أفضت إلى تبادل الأسرى حيث كان لدى حركة طالبان جندي أمريكي أفرج عنه مقابل خمسة من قادة الحركة الذين كانوا في سجن غوانتانامو  وهنا حققت طالبان أول انتصار سياسي لها حيث أجبرت الأمريكيين على الاعتراف بها كما سمحوا للحركة بفتح مكتب لها في الدوحة حيث أن قطر كانت تلعب دور الوسيط في تلك المفاوضات وذلك ضمن الدور الوظيفي المناط بها والذي أشرنا إليه سابقا والذي يتلخص بالبقاء في المنطقة الرمادية لتؤدي أدوارا محددة لا تقدر على أدائها الأنظمة الأخرى التي تجاهر بعمالتها للأمريكيين

على أية حال استمرت المفاوضات بعد ذلك على فترات متقطعة وبدأ الأمريكيون بتخفيض وجودهم العسكري في أفغانستان في منتصف العقد لثاني من القرن وذلك بسبب التحديات الجديدة الناشئة عن ثورات الربيع العربي وظهور تيار الجهاد العالمي بقوة في الساحة الإسلامية ووصول دونالد  ترامب إلى سدة الحكم نهاية عام ٢٠١٦ وتعهد بإنهاء الحرب في أفغانستان وإعادة الجنود الأمريكيين إلى بلدهم لذلك تواصلت المفاوضات في الدوحة وفي باكستان وحتى في كابل حيث وقع غلب الدين حكمتيار  زعيم الحزب الإسلامي والذي كان متحالفا مع طالبان اتفاقا للسلام مع الحكومة العميلة عام ٢٠١٨ أما حركة طالبان فواصلت جهادها للأمريكيين وعملائهم حيث تم توقيع الاتفاق النهائي يوم ٢٩ شباط عام ٢٠٢٠ والذي ينص على انسحاب جميع القوات الأمريكية من أفغانستان خلال عام ونصف على ألا تتعرض طالبان للقوات المنسحبة والا تكون افغانستان منطلقا للتنظيمات الارهابية" مثل تنظيم القاعدة وولاية خراسان "داعش" 

وبالفعل واصل الأمريكيون انسحابهم بينما واصلت حركة طالبان توسعها داخل الجغرافية الأفغانية وسارعت للسيطرة على جميع الولايات الحدودية لتمنع وجود أية جيوب للحركات المناوئة لها والتي يمكن أن تجد دعما لها من دول الجوار خاصة إيران النفاق وجمهوريات آسيا الوسطى (طاجيكستان وأوزبكستان وتركمنستان)

حيث أن لهذه الدول امتدادات عرقية وطائفية داخل أفغانستان وسبق لها أن ساعدت الحركات المناوئة لطالبان في تسعينات القرن الماضي وخاصة إيران النفاق التي لا تخفي عداءها لكل ما يمت لأمة الإسلام بصلة

وفي يوم ١٥ آب من عام ٢٠٢١ دخلت طالبان إلى القصر الرئاسي في كابل مما أربك الأمريكيين الذين راحوا يعجلون بانسحابهم من كابل والذي أعاد للذاكرة انسحابهم المذل من مدينة سايغون (عاصمة فيتنام الجنوبية)ربيع عام١٩٧٥

فراحوا يدمرون معداتهم التي لم يستطيعوا نقلها كما حملوا جنودهم وكبار عملائهم وأبقوا على صغارهم والذين راح بعضهم يتعلق بالطائرات الأمريكية في منظر غاية في البؤس

وهكذا أتم الأمريكيون انسحابهم يوم ٣١ آب ٢٠٢١

لتفتح أفغانستان صفحة جديدة من تاريخها

أما عن الدروس المستفادة من هذه التجربة ومستقبلها فهذا ما سنتناوله في الحلقة القادمة إن شاء  الله تعالى


2023-04-23
كاتب من بيت المقدس

الخميس، 2 مارس 2023

الجهاد الافغاني بين غلو التقديس وغلو التخوين

حقائق غائبة  



الفصل الثامن والعشرون 

أوضاع العالم الإسلامي في العقد الأول من هذا القرن

لقد افتتح هذا القرن بأحداث الحادي عشر من أيلول التي تحدثنا عنها سابقا كما سبقها وتبعها أحداث أخرى لابد لنا من الإشارة إليها في هذه العجالة مع ربطها بموضوعنا الذي نحن بصدده

وسنبدأ ببيت المقدس وما حوله حيث اندلعت انتفاضة الأقصى عام ٢٠٠٠ والتي تميزت عن الانتفاضة الأولى في ثمانينات القرن الماضي بطابعها المسلح والتي انتهت باجتياح الكيان اليهودي للضفة الغربية وقتل ياسر عرفات بالسم بعد أن انتهى دوره ليحل مكانه محمود عباس" أو كرزاي فلسطين “حسب تعبير ياسر عرفات كما اغتال العدو اليهودي في غزة  الدكتور عبد العزيز الرنتيسي والشيخ أحمد ياسين وبعد ذلك انسحب  الكيان اليهودي من قطاع غزة في آب عام ٢٠٠٥ وفازت حركة حماس بالانتخابات بداية العام التالي لتسيطر على القطاع في صيف عام ٢٠٠٧ بعد أن طردت محمد دحلان وجماعته لتندلع المواجهات مع العدو اليهودي على فترات متقطعة منذ ذلك التاريخ

وفي بداية هذا العقد انسحب الكيان اليهودي من جنوب لبنان ليصبح بعد ذلك "حزب الله" الرافضي متحكما في دويلة الطوائف "لبنان" فتم اغتيال رفيق الحريري(رجل الأعمال  وأكبر سياسيي أهل السنة  في لبنان )بداية عام ٢٠٠٥ على يد النظام النصيري ورافضة لبنان وهذا بدوره أدى لإرغام نظام الحكم في دمشق على الإنسحاب من لبنان لتندلع ما سميت بحرب تموز بين الكيان اليهودي و"حزب الله" في صيف ٢٠٠٦والتي أظهرت سطحية وسذاجة الغالبية العظمى ممن يتصدر المشهد عند أهل السنة وذلك بتأييدهم لذلك الحزب اللقيط دون الالتفات لعقيدة الرافضة وماقاموا  به في تلك الأثناء وما قبلها وما بعدها من جرائم بحق مسلمي العراق(أعني إهل السنة لأن الرافضة ليسوا مسلمين).

كما أظهرت تلك المواجهة إضافة لما حصل من مواجهات مع الكيان اليهودي في غزة هشاشة الكيان اليهودي وخيانة أنظمة الحكم العربية في جميع حروبها معه

وفي بداية العقد وقع الهجوم على المدمرة الأمريكية كول في ميناء عدن حيث قتل وجرح العشرات من طاقمها مما أثبت عمالة الحكومة اليمنية للأمريكيين

وفي منتصف عام ٢٠٠٠ هلك طاغية الشام حافظ أسد بعد أن هيأ ابنه بشار خليفة له بمباركة أمريكا التي أرسلت وزيرة خارجيتها آنذاك (مادلين أولبرايت) إلى دمشق لهذا الغرض

وفي منتصف هذا العقد اغتيل المجرم غازي كنعان أحد أهم وأكبر رؤوس الإجرام في النظام النصيري في الشام على يد أبناء طائفته الذين أفنى حياته في خدمتهم

 وفي صيف عام ٢٠٠٥ توفي فهد بن عبد العزيز كما هلك بعده بيومين (٢ آب) الصليبي جون قرنق زعيم المتمردين في جنوب السودان والذي تحدثت عنه وسائل الإعلام الغربية أكثر بكثير من الملك فهد الذي عادت لتسليط الأضواء على مستقبل العمال الاسبان العاملين في قصوره هناك

وفي مصر تمكنت الكنيسة القبطية في مصر من اختطاف السيدة وفاء قسطنطين وكاميليا شحاتة بعد إسلامهما كما أختفى غيرهما لنفس الأسباب وكشفت هذه الحادثة أن النصارى هم من يحكم مصر فعليا كما كشفت أيضا ضعف وهشاشة الجماعات الإسلامية التي لم يكن لبعضها أي موقف من المسألة كما أن بعضهم (محمد سليم العوا) نفى إسلام واختطاف الأخوات المشار إليهن جملة وتفصيلا وهنا لابد من الإشارة للموقف المشرف للشيخ حافظ سلامة (رحمه الله) والشيخ أحمد المحلاوي حفظه الله من هذه القضية

ولعل أهم احداث هذا العقد هو الغزو الصليبي للعراق والذي حصل بعد عام ونيف من غزو أفغانستان

فانطلقت الجيوش الصليبية يوم ١٩ آذار عام ٢٠٠٣ من جزيرة محمد صلى الله عليه وسلم وبالتحديد من دويلة الكويت كما انطلقت الطائرات من قواعدها في بقية بلدان الجزيرة العربية لتلقي بحممها على عاصمة الرشيد ليتم احتلالها ثم تسليمها للرافضة بعد ذلك

وهنا لابد لنا من التوقف قليلا عند هذه النازلة لعلاقتها المباشرة بقضية أفغانستان حيث واجه الصليبيون مقاومة شرسة في السنوات الأولى لغزوهم كلفتهم خسائر مادية وبشرية فادحة مما أرغمهم على التركيز على العراق وتخفيف  الضغط عن أفغانستان وبعد منتصف العقد لجأ الأمريكيون إلى حيلة الصحوات  حيث انقلبت فصائل المقاومة العلمانية والمرتبطة بالحزب "الإسلامي العراقي" ضد بقية فصائل الجهاد والتي كانت الأكثر نكاية بالصليبيين كما ساهمت الحكومات العربية في هذه الخيانة مما أدى لاجهاض المشروع الجهادي في العراق حيث تمكن الأمريكيون من الخروج من المستنقع العراقي بعد أن مكنوا للرافضة في ذلك البلد

وتمكن الأمريكيون من اعتقال صدام حسين نهاية عام ٢٠٠٣ وسلموه للرافضة ليتم محاكمته صوريا وتم اعدامه صبيحة عيد الأضحى عام ١٤٢٧ الموافق ل ٣٠ كانون أول عام ٢٠٠٦ وهنا انقلب المزاج العام لأهل السنة الذين أيدوا حزب اللات منتصف ذلك العام مما يبين انعدام الوعي الاستباقي عند الغالبية العظمى ممن يتصدر المشهد الإسلامي حيث بات واضحا بصورة جلية أننا ندرك المخاطر بعد فوات الأوان 

ومن الإنصاف أن نذكر هنا أن الغزو الأمريكي للعراق قد عارضته جهات كثيرة فعلى المستوى الشعبي عمت المظاهرات العارمة أنحاء العالم بشكل غير مسبوق (أكثر من ٦٠٠ مدينة في العالم) وعلى صعيد الحكومات فقد منعت الحكومة التركية أمريكا من استخدام قاعدة أنجرليك الجوية في تلك الحرب كما وقفت العديد من دول الناتو ضد ذلك الغزو وعلى رأسهم فرنسا وألمانيا مما دعا وزير الدفاع الأمريكي آنذاك دونالد رامسفيلد لوصف أوروبا بالقارة العجوز

وقد دل ذلك على بداية النهاية للهيمنة الأمريكية وبداية التخلخل بحلف الناتو

وقد كشف الرئيس الفرنسي آنذاك جاك شيراك إنه تلقى مكالمة من الرئيس الأمريكي جورج بوش الأبن يقول فيها بأنه تلقى وحيا من السماء لإعلان الحرب على العراق لأن يأجوج ومأجوج قد انبعثتا في الشرق الأوسط للقضاء على الغرب المسيحي وقد ورد ذلك في كتاب بعنوان "أنشر تكذيبا لو كررتم الخبر" للصحفي الفرنسي جون كلود موريس رئيس تحرير جورنال دي ديما. وهذا ما ذكره قبل ذلك المفكر الإسلامي خالد غريب حيث قال في أحد محاضراته بأن أمريكا قد غزت العراق لسبب عقدي ولن يستطيعوا تعويض خسائرهم، حتى لو نهبوا كل بترول العراق

وفي نهاية هذا العقد (عام ٢٠٠٨) وقعت الأزمة الاقتصادية الكبرى في أمريكا بسبب إفلاس عدد من البنوك بسبب ديون الرهن العقاري وقد طالت هذه الأزمة دولا أخرى بسبب تشابك المصالح الاقتصادية بين دول العالم وأظهرت هذه الأزمة الخلل في النظام الرأسمالي وهذا موضوع آخر لسنا بصدد الحديث عنه

وفي هذا العقد برز الحوثيون في اليمن كأحد أذرع الأخطبوط الإيراني في منطقتنا وبذلك كشر الرافضة عن أنيابهم كأخطر عدو يهدد أمتنا في حاضرها ومستقبلها

وفي النهاية لابد أن نشير لما شهده هذا العقد من عمليات "إرهابية" نفذها أنصار  الجهاد العالمي حيث وقعت تفجيرات جزيرة بالي الاندنوسية نهاية عام ٢٠٠٢ والتي قتل فيها مئات السياح وفي آذار من عام ٢٠٠٤ شهدت مدريد عاصمة اسبانيا عدة تفجيرات أوقعت عددا كبيرا من الضحايا  وأدت لسقوط رئيس وزراء اسبانيا أزنار  في الانتخابات في تلك الأثناء واعترف مدبروها بأن سببها وقوف خوسيه ماريا  أزنار مع أمريكا بغزوها للعراق عام ٢٠٠٣.كما شهدت لندن في ٧ تموز من عام ٢٠٠٥ عدة تفجيرات للسبب نفسه كما شهدت مدينة مومباي الهندية سلسلة عمليات في شهر تشرين ثان من عام ٢٠٠٨

 وخلاصة القول أن هذا العقد كان مليئا بالأحداث الجسيمة على جميع الأصعدة فيما يخص أمتنا فكيف أثر ذلك على مسيرة الجهاد في أفغانستان هذا ما سنتحدث عنه في الفصل القادم إن شاء  الله




2023-03-02
كاتب من بيت المقدس





الأربعاء، 21 ديسمبر 2022

الجهاد الافغاني بين غلو التقديس وغلو التخوين

حقائق غائبة  


الفصل السابع والعشرون

الآثار الإيجابية على صعيد الأمة الإسلامية 

وأما التأثيرات الإيجابية على صعيد إمتنا فقد ذكرنا سابقا أنها حركت المياه الراكدة  في  ساحات العمل الإسلامي 

فصفعت المتخاذلين  والعاجزين والمرجفين بقوة فبينت قدرة أمتنا على الخروج من حالة الاستضعاف والعجز إلى حالة القوة والتمكين إذا توفرت الإرادة والعزيمة الصادقة بعد توفيق الله سبحانه وتعالى كما أثبتت تلك الواقعة هشاشة النظام العالمي رغم مايتمتع به من إمكانيات هائلة وسطوة متجبرة حيث استطاعت ثلة قليلة من الأفراد وبامكانات متواضعة أن تقوم بعمل تاريخي تعجز القوى العظمى عن القيام به(من الناحية  السياسية بسبب توازن الرعب فالكل بات مقتمعا أن الحرب تعني الانتحار )وهذا ماسمعته من ألسنة المحللين الغربيين أنفسهم الذين وصفوا من وقف وراء تلك العملية "باللاعبين الجدد"(بغض النظر عن موقفنا مما حصل) 

بعد ذلك بان عجز وفشل الذين تصدروا المشهد الإسلامي لعقود سبقت حيث  تسلحوا بنظرية المؤامرة لتفسير ماحدث ولتبرير عجزهم بعد أن أثبتوا سذاجتهم وسطحيتهم في تعاملهم  مع  تلك  النازلة وبان ذلك واضحا جليا بعد عقد من الزمان فيما سمي بالربيع  العربي وهذا  موضوع  آخر  لسنا  بصدد  الحديث  عنه

كما انكشف أصحاب المناهج المضطربة والذين غيروا طروحاتهم إلى النقيض وذلك تحت ضغط الواقع القائم على التهويش الإعلامي فانتقل بعضهم من الطرح السلفي إلى طروحات الرافضة

وهكذا سقط هؤلاء وأولئك وتجاوزهم الواقع كما ظهرت الاخوة الإسلامية باجلى صورها لما أبداه المسلمون في مختلف بقاع العالم لما يجري في أفغانستان وكأنه يجري في بلدهم وهذا ماأشرنا أليه سابقا وأصبحت القناعة بترابط جميع قضايا المسلمين ببعضها أمرا مطروحا لتزداد القناعة بذلك إكثر وأكثر فيما بعد حيث بدأت الروابط القطرية في الذبول عند شريحة لابأس بها من أبناء الأمة ومثل ذلك يمكننا قوله عن عقيدة الولاء والبراء كما أسلفنا وهذه نقطة البداية للسير في الطريق الصحيح كما باتت المواجهة مع أعداء الأمة مكشوفة حيث تكتل أعداء الأمة على إختلاف مشاربهم في حربهم مع أمة الإسلام وهذا الأمر بات واضحا جليا بعد عقد من تلك النازلة وبات واضحا بعد ذلك أن أمتنا لن تستعيد حريتها وأمجادها دون المدافعة والتضحية ودفع الثمن


أما على صعيد الحكومات فقد انكشف دورها في حراسة مصالح أعداء اﻷمة  وهنا دخلت عبارة الأنظمة الوظيفية قاموس السياسة  وباتت تتردد على ألسنة الكثيرين كما باتت طاعة ولاة الأمر وفقه الحاكم المتغلب وكذلك عدم الخروج  على الحكام الظلمة موضع تساؤل وباتت هذه القضايا تناقش بصورة غير مسبوقة بعد أن تكشفت الأدوار التي  تؤديها أنظمة الحكم في العالم الإسلامي  في خدمة إعداء الأمة وقد فصل الدكتور أكرم  حجازي  والدكتور حسن الدقي وغيرهما أدوار  تلك الأنظمة في العديد من المناسبات  وبأدلة لايستطيع  تكذيبها إلا من لا يرى الشمس في رابعة  النهار وقد سمعت ذلك من أحد الأقارب حيث قال الآن بات كل شيء واضحا وكان قبل ذلك ممن يخذل عن أولئك الحكام

وخلاصة القول أن أمتنا قد اقتربت من وضع القدم الأولى في الطريق الصحيح  بعد عقود من الضياع وضبابية المفاهيم وهذا لايعني أن الأمور أصبحت على ما يرام وقد أشرنا في بداية هذه الدراسة بأن انتصار طالبان كان نقطة مضيئة وسط نفق مظلم طويل

وفي الفصول القادمة سنتحدث عن أوضاع العالم بما في ذلك أوضاع أمتنا الإسلامية خلال العقدين الماضيين وصولا إلى انتصار حركة طالبان



2022-12-21
كاتب من بيت المقدس

































السبت، 12 نوفمبر 2022

الجهاد الافغاني بين غلو التقديس وغلو التخوين

حقائق غائبة 


الفصل السادس والعشرون الآثار الإيجابية للغزو الصليبي لافعانستان

كما ذكرنا سابقا فقد كانت تلك النازلة زلزالا شديدا أدى لتداعيات كثيرة تحدثنا عنها سابقا كما كان لتلك النازلة آثارا إيجابية على العديد من الأصعدة

فعلى الصعيد العالمي اهتزت مكانة أمريكا التي انتشت بعد حرب  الخليج  الثانية  وانهيار الإتحاد السوفييتي حيث عبر عجوز السياسة الأمريكية ريتشارد نيكسون في كتابه أمريكا والفرصة السانحة عن نشوة الأمريكيين حيث قال ما أجمل العالم عام ١٩٩٢ كما ذكر أن الفرصة باتت مواتية لتقود أمريكا العالم ووضع خطوطا عامة للسياسة الأمريكية نحو بقية الدول حسب أهمية كل دولة بالنسبة لأمريكا. فراح الأمريكيون يتصرفون بمنتهى العنجهية والتكبر حتى مع الدول الكبرى فأرسلوا أساطيلهم هنا وهناك التي كانت تفتش البواخر التجارية كما حصل عند تفتيش أحد البواخر الصينية المتجهة إلى إيران كما فرضوا حصارا جائرا على العراق أدى لوفاة مئات الألاف بسبب نقص التغذية والأدوية كما فرضوا العقوبات على ليبيا والسودان وتدخلوا في الصومال وقصفوا بالصواريخ العراق (بعد تدميره عام ١٩٩١) عدة مرات خلال عقد التسعينات كما قصفوا السودان وأفغانستان في صيف عام ١٩٩٨ 

ولاننسى عنجهية وتجبر ديك تشيني وزير دفاعهم أثناء حرب الخليج الثانية وكذلك كولن باول رئيس الأركان المشتركة

كما لن ننسى عنجهية مادلين أولبرايت مندوبتهم لدى الأمم المتحدة ووزيرة خارجيتهم بعد ذلك

كل ذلك حصل في تسعينات القرن الماضي والآن وبعد يوم الثلاثاء الأسود إنقلبت تلك الصورة رأسا على عقب ليرى العالم وقوف جورج بوش الأبن باكيا أمام أنقاض مبنى التجارة العالمية وأما على صعيد العالم الغربي فقد أحدثت تلك العملية صدمة عنيفة في الشعور الباطن نتيجة الشعور بالاهانة واالجرح العميق الذي أحدثته تلك الضربة الموجعة وهذا ما لمسته بنفسي ممن أعيش بينهم. فسبحان مغير الأحوال 

هذا من الناحية المعنوية اما على صعيد الخسائر المادية فقد ذكرنا سابقا بأنها تساوي ٢ تريليون دولار نتيجة إنهيار البورصة وتوالت بعدها الخسائر بانهيار الكثير من الشركات العملاقة مما ضاعف من الخسائر الاقتصادية وزاد الطين بلة غزوهم للعراق مما أدى لخسائر فادحة أدت فيما بعد للأزمة الكبرى عام ٢٠٠٨

وعلى الصعيد  الأمنى فقد عاشت أمريكا حالة من الهستيريا خلال الشهور التالية بسبب إشاعات حول الحرب الجرثومية وخاصة الجمرة الخبيثة حيث استغلت العصابات اليمينية المتطرفة تلك الحالة فراحت ترمي البودرة البيضاء كالدقيق أو الجبس في الشوارع مما أثار الذعر والهلع عند الناس وأدى لاستدعاء المختصين للتحقيق

واليوم ورغم مرور أكثر من عقدين على تلك الحادثة لم تقم الحكومة الأمريكية بنشر أي تحقيق أمني حول تلك العملية ولم تقدم أي شخص من الذين اعتقلتهم للمحاكمة وقد تم تكليف داهية السياسة الأمريكية هنري كيسينجر للتحقيق في تلك العملية فاعتذر عن هذه المهمة ولعله أشار على حكومته بعدم نشر أي تحقيق أمني يقطع الشك باليقين حول ماحدث حتى تبقى تلك العملية مجالا خصبا للمرجفين من إصحاب نظرية المؤامرة وهذا هدف مقصود بحد ذاته حتى نظل نعانى من عقدة النقص والعجز التي حطمتها تلك العملية

وبعد تلك العملية خصصت الإدارة الأمريكية وزارة خاصة للأمن الداخلي رصدت لها ميزانية بمليارات الدولارات كما تم تشديد الإجراءات الأمنية في جميع المرافق وخاصة المطارات مما أرهق الميزانية بمزيد من الأعباء والقائمة تطول إنما نكتفي  بهذا القد وأما التأثيرات الإيجابية على صعيد إمتنا فسوف نتحدث عنها لاحقا إن شاء الله




2022-11-12
كاتب من بيت المقدس


الخميس، 29 سبتمبر 2022

الجهاد الافغاني بين غلو التقديس وغلو التخوين

حقائق غائبة


الجزء الخامس والعشرون

الآثار السلبية البعيدة للغزو الصليبي لأفغانستان

تحدثنا في الفصول الماضية عن التداعيات الآنية لغزو أفغانستان ومنها دخول الأمريكيين في مواجهة مباشرة مع المسلمين بل إن الإسلام صار مستهدفا على جميع الأصعدة بدعوى تجفيف منابع الإرهاب فحوربت كل المؤسسات والجمعيات الإسلامية وحتى النشاطات العلمية البحتة  قد حوربت فطردت الحكومات كل طلبة العلم الوافدين للدراسة في كليات الشريعة والمعاهد الشرعية في بعض البلدان العربية(كجامعة الأزهر) وهنا فتحت إيران  النفاق أبواب حوزاتها لاستقبال أولئك الطلبة وهكذا فتح  الباب أمام نشر التشيع في مختلف بلدان العالم الإسلامي

 كما خضعت حكومات العالم الإسلامي للإملاءات الأمريكية فصارت تتسابق لإرضاء العم سام فأوقفت الجمعيات الخيرية جميع نشاطاتها وحورب الإسلاميون على اختلاف توجهاتهم وظهرت عبودية حكومات العالم الإسلامي بصورة جلية فصار لزاما عليها إيجاد ما تستر به سوءاتها هنا جاء دور علماء السوء الذين بالغوا في تلمس الأعذار  والتخذيل عن ”ولاة الأمر" فظهرت فتاوى وآراء في غاية التناقض والإسفاف ليس لها أي سند شرعي  أو حتى سند وضعي وكلها تزكي أفعال "ولاة الأمر" مع اضفاء الشرعية على كل أقوالهم وأفعالهم مع المبالغة في الحديث عن طاعة ”ولاة الأمر ”والتشنيع على كل الدعاة والمصلحين  الذين لهم رؤية مخالفة

وقد جمع الأخ الدكتور أكرم حجازي (في نهاية العشرية الأولى من هذا القرن) مجموعة من تلك الآراء والفتاوى فوجد فيها تناقضات ما أنزل الله بها من سلطان وشبهها بطبيخ النور (مع تشديد النون المفتوحة) الذين يذهبون لتسول الطعام في وعاء كبير يخلطون فيه أنواع كثيرة من الأطعمة مع بعضها لتكون النتيجة الحصول على طعام غير مستساغ ولا يصلح للآدميين

وكمثال على ذلك، الفتوى التي جعلت من الحاكم الأمريكي للعراق بريمر وليا للأمر والذي تجرأ بعض أهل العلم بالرد عليه لأن بريمر غير مسلم

أما معمر القذافي فكان له شأن آخر حيث صدرت فتاوى بتكفيره في ثمانينات القرن الماضي لما صدر عنه من أقوال لم يعلن تراجعه عنها ومع ذلك فقد قام بدعوة عدد من الدعاة من مختلف البلدان (نهاية العشرية الأولى من هذا القرن) والذين زكوا أعماله وبالغوا في مدحه والثناء عليه رغم أن بعضهم من تلامذة العلماء الذين كفروه ولم يتراجعوا عن فتواهم بتكفيره.  لم يتجرأ أحد بالرد على الذين مدحوا القذافي لأنه من "ولاة الأمر" بل إن الأمر وصل بأحد الدعاة أن يسعى لمقابلة بشار الأسد ليبرأه من كل جرائم أبيه الهالك ويثنى عليه

 بل وصل الأمر بإحدهم أن يقول أن حاكم بلده من اكثر الناس ثقافة وأنه قرأ ١٢٠ الف كتاب

 هكذا تناسى حكام العرب خلافاتهم وتوحدوا لمحاربة” الإرهاب فلم يعد مسموحا لأي داعية انتقاد أي من "ولاة الأمر" الذين صار تقديسهم واجبا شرعيا عند أولئك بل وصل الإسفاف عند أحدهم عندما قال "إذا خرج ولي الأمر على التلفاز يزني ويشرب الخمر  نصف ساعة فلا تنكر عليه إلا إذا كنت أمامه!!! أما إذا كنت خلفه فلا 

 والمقطع موجود بالصوت والصورة في الانترنيت لمن أراد التحقق منه

 كما بالغ أولئك في الإنكار على من يكفر أيا من الناس حتى ولو صدر عنه ما يثبت كفره وهنا دخلت كلمة التكفيريين قاموس بعض الدعاة وكذلك كلمة الخوارج والتي باتت من أكثر الكلمات استعمالا وفي غاية الإسفاف والابتذال كما بالغ الكثيرون  بمجاملة الغرب وذلك بتقديم الطروحات الخالية من أي شكل من أشكال العنف والمبالغة في الحديث عن الحكمة واللين والوسطية "وقبول الآخر ”مع التشنيع على التيارات الجهادية ذات البعد العالمي مع وصمها بكل الأوصاف السيئة مثل التطرف والتشدد والإرهاب والغلو والتكفيريين والظلاميين والخوارج....وغيرها وذهب آخرون لأبعد من ذلك فأبدوا استعدادهم للتعاون مع أجهزة الأمن في بلادهم لمحاربة من يسموهم بالغلاة والخوارج وهذا ما حصل بالفعل بل إن بعضهم قد تعاون مع أعداء الأمة في محاربة "الإرهاب 

وبالطبع فلكل فعل لابد من ردة فعل في الاتجاه المعاكس

فقد أدت التصرفات السابقة من الحكومات ومن بعض الإسلاميين إلى ردود أفعال مختلفة بعضها كان منضبطا من الناحية الشرعية وأخرى على النقيض من ذلك

وهنا أصبح فقه " الحاكم المتغلب" وعدم الخروج على "ولاة الأمر” موضع تساؤل حول مدى شرعية تلك القاعدة وقد ناقشها البعض بصورة منضبطة وآخرون فعلوا عكس ذلك فراحوا ينقضون دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله حتى أن بعضهم وصف تلك الدعوة بأنها لا تصلح لهذا العصر وآخرون بالغوا في نقدها ووصفوها بالظلامية وكذلك نقدوا ابن تيمية رحمه الله وبصورة غير منضبطة فيها الكثير من المغالطات. وصلت حد الزندقة فوصل الأمر ببعض السفهاء حد التطاول على الصحابة الكرام حتى أن أحد المحسوبين على الإسلاميين وصف سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه "بالخبيث والمنافق" (والعياذ بالله) وهنا لابد من التذكير بأن صورة العلماء قد اهتزت منذ حرب الخليج الثانية وجاءت نازلة عام ٢٠٠١ لتزيد الصورة قتامة لما أسلفنا

في هذه الفترة أصدرت مؤسسة راند الأمريكية العديد من الدراسات حول الأساليب التي يجب على صناع القرار اتباعها في محاربة دين الله ولعل أخطرها تلك التي تتحدث عن استغلال الخلافات الفكرية والمنهجية بين مختلف العاملين في ساحة العمل الإسلامي لضربهم ببعضهم وقد انساق البعض في هذا الإتجاه ووقعوا في هذا الفخ

كل ذلك وغيره كان من الآثار السلبية لتلك النازلة التي زلت بها أقدام الكثيرين وثبت الله سبحانه وتعالى أقدام الذين اختصهم من عباده

وأما النتائج الإيجابية فسنتحدث عنها في الفصل القادم إن شاء الله تبارك وتعالى



2022-09-29
كاتب من بيت المقدس

الجمعة، 16 سبتمبر 2022

الجهاد الافغاني بين غلو التقديس وغلو التخوين

حقائق غائبة

الجزء الرابع والعشرون

تداعيات الغزو الصليبي لأفغانستان

كما ذكرنا في الفصل السابق فقد توالى سيطرة تحالف الشمال على المدن الأفغانية واستمر الصليبيون في قصفهم لجبال تورا بورا لمدة ١٢ يوما وانتهى القصف يوم ١٧ كانون الأول من عام ٢٠٠١ وفي تلك الفترة حوصر عدة مئات من المجاهدين في مدينة قندز شمال أفغانستان ليقعوا بعد ذلك أسرى فتم نقلهم بحاويات الى قلعة جانجي وقد توفي الكثيرون منهم في الطريق ومن نجا منهم فقد قاموا بالتمرد داخل السجن يوم ٢٥ تشرين ثان ولم يتمكن حراس السجن من السيطرة على التمرد فاستدعوا الطيران الصليبي الذي قصف القلعة فقتل الجميع أي السجناء مع الحراس

وقد ارتكب أولئك المجرمون الكثير من جرائم القتل والسلب والاغتصاب في المدن التي دخلوها ففي مدينة مزار شريف قتلت جماعة المجرم عبد الرشيد دوستم المئات ورموا جثث القتلى بأماكن متفرقة عثرت عليها الفرق التابعة للصليب الأحمر وتم دفنها دون أية ضجة أوأي تحقيق

وأما في مدينة كابل فقد ارتكب المجرمون عمليات اغتصاب وتم توثيق ٧٠٠ حالة مما جعل أحد زعماء البشتون القوميين بأن يدين تلك الجرائم كما أبدى استعداده للتعاون مع حركة طالبان ضد تحالف الشمال رغم أنه من المعارضين لحركة طالبان

كما تم في تلك الأثناء اعتقال عدد كبير من الشباب العربي العاملين في مجال الإغاثة والإعلام وتم تسليمهم للأمريكيين على أنهم من تنظيم القاعدة مقابل حفنة من الدولارات ليتم بعد ذلك نقلهم مع غيرهم إلى سجن غوانتانامو (سيء الصيت) بصورة مهينة لتثبت التحقيقات أن الغالبية العظمى منهم لا علاقة لهم بالقاعدة أو طالبان

لقد كانت تلك النازلة زلزالا شديدا ثبت الله به المؤمنين الصادقين وزلت به أقدام الآخرين الذين يتحدثون دائما عن الحكمة والوسطية والمصالح والمفاسد ومقاصد الشريعة

وأغرب ما بدر من هؤلاء الفتوى التي أحازت لجنود المسلمين في الجيش الأمريكي المشاركة في غزو أفغانستان وقد وقع على تلك” الفتوى" الشيخ يوسف القرضاوي والدكتور محمد هيثم الخياط ومحمد سليم العوا والصحفي محمد فهمي هويدي والمستشار طارق البشري وكانت حجة هؤلاء أن عدم مشاركة الجنود المسلمين في تلك الحملة سيؤدي للشك بولائهم لبلدهم الذي يعيشون فيه وقد وصف الدكتور طه جاسم علوان مدير معهد الفكر الإسلامي في أمريكا تلك "الفتوى” بالبيان السياسي رغم أنه هو من استفتى الشيخ يوسف القرضاوي في هذه المسألة

كما بادر أولئك المقاصديون للحديث عن تهور الشباب المسلم والمغامرات غير المحسوبة كما وصفوا ما جرى في أفغانستان بالمحرقة للشباب العربي كل ذلك كان واضحا في المقالات التي كتبها أولئك المرجفون في مواقع الانترنيت وخاصة موقع islam online

وعلى النقيض من ذلك فقد وصف آخرون تأثير تلك الأحداث بأنها قد حركت المياه الراكدة في ساحات العمل الإسلامي لما أحدثته من أفعال وما طرحته من أفكار جديدة تجاوزت ما كان قائما قبلها حيث أحيت عقيدة الولاء والبراء التي أراد أصحاب الطروحات المهادنة (داخل الصف الإسلامي) إماتتها بعد تمييعها بمسميات ما أنزل الله بها من سلطان كما رفعت الروح المعنوية لدى أبناء الأمة كما أشرنا سابقا

وظهرت في تلك الفترة أهمية الانترنيت التي أتاحت ظهور الكثير من الطروحات العميقة كما فضحت آخرين ممن يتصدرون المشهد منذ عقود لما أظهروه من سطحية وسذاجة في تعاملهم مع تلك النازلة وبات واضحا منذ ذلك الحين أن الواقع قد تجاوزهم وظهر فشلهم بصورة واضحة جلية بعد عقد من الزمن أي بعد أحداث ما سمي بالربيع العربي وهذا موضوع آخر لسنا بصدد الحديث عنه هنا انما سنتحدث عنه في الفصل القادم إن شاء الله


ومن التداعيات أيضا الانبطاح الشديد الذي أبدته حكومات العالم الإسلامي حيث بات خضوعها التام لسيدهم في "البيت الأبيض" واضحا جليا (إلا لأولئك الذين استمرؤوا العبودية لغير الله سبحانه وتعالى) فظهرت الوثنية السياسية والتي أطلت برأسها قبل عقد من تلك النازلة وبالتحديد منذ ما سمي بحرب الخليج الثانية حيث صارت طاعة "ولاة الأمر" القضية المحورية عند بعض أدعياء السلفية

وفي المقابل ظهر مصطلح الأنظمة الوظيفية حيث أصبحت الحكومات في العالم الإسلامي مجرد أدوات تنفيذ لمخططات أعداء الأمة في جميع المجالات العسكرية والأمنية والتعليمية والإعلامية وحتى الأعمال الخيرية والدعوية باتت خاضعة بصورة مباشرة لإملاءات الأمريكان بدعوى تجفيف منابع الارهاب وقد كشفت السنوات اللاحقة أن الأمريكيين قد أرسلوا بعض المعتقلين إلى دول عربية(سوريا مصر الأردن ليبيا المغرب)للتحقيق حيث أن الأمريكيين لم يستطيعوا انتزاع أية اعترافات منهم بطرقهم الخاصة فلجؤوا لعبيدهم ليؤدوا هذه المهمة بالطرق القذرة(التعذيب الجسدي) والتي يتجنبها الأمريكيون والأوروبيون وحتى اليهود لأسباب لسنا بصدد الحديث عنها

وقبل أن نختتم هذا الفصل لابد من الإشارة إلى المقابلة التي أجراها(عبر الأنترنيت) الإعلامي في قناة الجزيرة أحمد منصور مع عبد رب الرسول سياف يوم دخوله كابل والتي بدا فيها ذلك الرجل على حقيقته عندما تكلم بعنجهية كما راوغ بالإجابة على الأسئلة المطروحة فأنكر تحالفه مع عبد الرشيد دوستم كما أنكر الغزو الأمريكي ووصف حكم طالبان بالكابوس الذي انزاح عن بلده وهاجم الشباب العربي كما هاجم قناة الجزيرة لتغطيتها الأخبار في تلك الفترة حيث غطت الأحداث بموضوعية ونقلت الأخبار بمهنية من خلال مراسلها تيسير علوني مما أغضب جماعة تحالف الشمال وزاد من حقدهم على الشباب العربي

وبدا أحمد منصور بموضع المدافع الضعيف

وهنا لابد لنا من الإشارة إلى أن قطر دولة وظيفية شأنها بذلك شأن بقية الحكومات في دول العالم الإسلامي لكن المطلوب من قطر هو البقاء في المنطقة الرمادية مع أداء بعض الأدوار التي تخدع الكثيرين وبذلك تتمكن من أداء مهمتها الأساسية بتسميم العقول وتحقيق الاختراق الفكري في العمل الإسلامي وهذا موضوع آخر فيه تفصيل كثير لا يمكننا الالمام به في هذه العجالة وما قامت وما تقوم به قناة الجزيرة يندرج ضمن هذا الدور المناط بحكومة قطر

هذه هي أهم التداعيات الناشئة عن أحداث الحادي عشر من أيلول وما تلاها من الغزو الصليبي لأفغانستان  أما الآثار البعيدة  لتلك التداعيات فسنتاولها في الفصل القادم إن شاء الله

2022-09-16
كاتب من بيت المقدس

الجمعة، 14 يناير 2022

الجهاد الافغاني بين غلو التقديس وغلو التخوين
حقائق غائبة

  الفصل الثالث والعشرون
الجزء الثاني

مسار العمليات داخل الساحة الأفغانية

لقد شكلت أحداث الحادي عشر من أيلول ارباكا كبيرا للأمريكيين الذين كانوا يعدون لغزو أفغانستان والعراق بهدوء وبعيدا عن الأضواء بمعنى أنهم كانوا يطبخون المؤامرة على نار هادئة(كما يقال)

والآن فقد وجد الأمريكيون أنفسهم مرغمين على الدخول في تلك الحرب قبل الاستعداد التام لها بل إن الكثير من العمليات قد تم التخطيط لها على عجل مما جعلها متعثرة في بداياتها رغم العون الذي حصلوا عليه من الدول ذات العلاقة بالشأن الأفغاني وخاصة باكستان وإيران إضافة لبلدان الجزيرة العربية والروس وبلدان وسط آسيا ومع ذلك فقد واجه الأمريكيون معضلة كبيرة مع الحاضنة الاجتماعية لحركة طالبان أي قبائل البشتون والتي تشكل أكبر مجموعة عرقية في أفغانستان مع وجود امتداد لها داخل باكستان لذلك ركز الأمريكيون عبر  مخابرات الدول المتعاونة معهم العمل أولا على محاولة شق صفوف حركة طالبان وقد باءت تلك المحاولات بالفشل حيث بقيت الحركة متماسكة تقارع الأمريكيين على مدى عقدين من الزمن

وبالتوازي مع ذلك تركز العمل على استمالة بعض قبائل البشتون وينقل الصحفي محمد فهمي هويدي عن حكمتيار أن حامد كرزاي قد زاره في مقر اقامته في إيران محاولا أقناعه بالتعاون معه ضد طالبان لكن حكمتيار رفض ذلك وبعد ذلك دخل كرزاي إلى أفغانستان ونجح باستمالة بعض القبائل البشتونية وقبله فشلت محاولة للمخابرات الباكستانية بإدخال أحد قادة الجهاد السابقين واسمه عبد الحق والذي دخل أفغانستان من الحدود الباكستانية ونجحت طالبان بكشف تلك المؤامرة وألقت القبض عليه وقتلته بعد اسبوعين من بدء الغزو الأمريكي

وأما بخصوص المناوشات مع تحالف الشمال فقد كانت السيطرة على المناطق تتم أحيانا من قبل التحالف لتقوم طالبان باستعادتها بعد مدة واستمرت الأمور على هذا المنوال عدة أسابيع كانت خلالها الطائرات الأمريكية تتابع غاراتها على أفغانستان وخاصة على جبال تورا بورا حيث استعمل الأمريكيون كل مايملكونه في ترساناتهم واستخدموا لأول مرة القنابل العملاقة التي تزن سبعة أطنان كما استخدموا قاذفات القنابل من طراز ب ٥٢  ومع ذلك لم يحرزوا أي تقدم يستحق الذكر وخلال هذه الفترة وصل لحركة طالبان آلاف المجاهدين من باكستان

وأخيرا قدم رافضة إيران الخطة التي أنقذت الأمريكان من مأزقهم حيث قدموا خرائط مفصلة عن خطوط الدفاع لحركة طالبان فقام الأمريكيون بتركيز القصف عليها بينما يقوم تحالف الشمال بالهجوم البري على تلك الجبهات واختراقها وبالتالي السيطرة على المدن وخاصة في شمال أفغانستان حيث تتواجد الحاضنة الاجتماعية لذلك التحالف

وهكذا صارت المدن الرئيسية في الشمال والغرب تقع في أيدي ذلك التحالف ففي التاسع من تشرين الثاني دخل مقاتلوا التحالف مزار شريف وبعد ذلك بأربعة أيام دخلوا مدينة كابل أما مدينة قندهار  فقد سقطت يوم ٦ كانون الأول بعد تفاهمات بين قبائل البشتون الموالية للغزو الأمريكي وحركة طالبان فخرح الملا عمر رحمه الله من المدينة مع بعض قادة الحركة وعدد من المجاهدين حيث قرر قادة الجهاد إخلاء المدن والانحياز إلى المناطق النائية والتحصن في الجبال استعدادا للمرحلة التالية من الحرب والتي بدأت بعد أن حط الصليبيون رحالهم هناك وهكذا تنفس الصليبيون والمنافقون الصعداء وأظهروا فرحتهم بما حصل ظنا منهم أنهم قد حسموا المعركة لصالحهم وصارت قنوات النفاق الفضائية كقناة "المنار"تتحدث عن "ملاحقة القوات الأمريكية لفلول طالبان والقاعدة"وأبدى الكفار والمنافقون شماتتهم لما أصاب الثلة المؤمنة في أفغانستان والتي سنتحدث عنها في الفصل القادم إن شاء الله



2022-01-14
كاتب من بيت المقدس

الاثنين، 26 يوليو 2021

الجهاد الافغاني بين غلو التقديس وغلو التخوين

حقائق غائبة 

الفصل الثاني والعشرون
الجزء الأول
الغزو الصليبي لأفغانستان

وهكذا بدأ الغزو الصليبي لأفغانستان يوم السابع من شهر تشرين الأول عام ٢٠٠١ كما ذكرنا سابقا حيث نجح الأمريكيون بتشكيل تحالف يضم أربعين دولة وفي مقدمتهم أعضاء حلف شمال الأطلسي الذي ينص ميثاقه على مشاركة جميع أعضائه بالدفاع عن أي عضويتعرض لاعتداء خارجي

وقبل الحديث عن ذلك الغزو لابد لنا أن نشير إلى الحرب النفسية التي مارسها الأمريكيون في تلك الأثناء حيث لم تتوقف التهديدات بالحرب والقبض على الفاعلين ومن يأويهم وتقديمهم للمحاكمة فكان رد الملا عمر محمد(رحمه الله) إن الأمريكيين يستطيعون بدء الحرب ولكنهم لايملكون وقفها إنما سيجبرهم الأفغان على وقف الحرب والخروج من أفغانستان

وعندما بدأ الأمريكيون غاراتهم على أفغانستان قال الملا عمر محمد(رحمه الله) كلمته التي سيسجلها التاريخ إن الله سبحانه وتعالى وعدنا بالنصر ووعدنا بوش بالهزيمة ونحن نثق بوعد الله ولا نثق بوعد بوش وهذا ماحصل بعد ذلك كما سنرى لاحقا إن شاء الله

ثمة أمر آخر  لابد من الإشارة إليه وهو تحذير الكثيرين للإدارة الأمريكية من خطورة الوقوع في المستنقع الأفغاني حيث كانت أفغانستان عبر التاريخ مقبرة الغزاة وهذه من الحقائق الثابتة. ومن بين الذين حذروا الأمريكيين بعض كبار العسكريين الروس الذين شاركوا في الغزو الروسي في ثمانينيات القرن الماضي حتى أن بعضهم قال إن حرب فيتنام ستكون بمثابة نزهة مقارنة بما سيواجه الأمريكيين في أفغانستان حتى أن بعض المفكرين الأمريكيين وصف تأييد بعض الدول للأمريكيين بالنفاق السياسي الذي يهدف لجر الأمريكان إلى المستنقع الأفغاني فتفقد بذلك أمريكا هيبتها وسطوتها لكن الأمريكيين لم يكترثوا لكل ذلك للأسباب التي ذكرناها سابقا

ومهما يكن من أمر فسنتحدث عن هذا الموضوع بصورة مجملة مع التركيز على الحقائق المغيبة لأسباب سنذكرها في الخاتمة إن شاء الله

لقد فتحت كل الدول المحيطة بأفغانستان أجواءها للطائرات الأمريكية التي انطلقت من قاعدة أنجرليك التركية وكذلك من بلدان الجزيرة العربية وحاملات الطائرات في المحيط الهندي والخليج العربي لتعبر الأجواء الباكستانية والإيرانية فتلقي بحممها على الأراضي الأفغانية بصورة جنونية تعبر عن اللؤم والتجبر فقتل نتيجة ذلك آلاف الأطفال والنساء والشيوخ ولم يلتفت الأمريكيون لأي اعتبار فقصفوا كل مكان بما في ذلك العديد من المساجد أثناء أداء الصلوات بحجة وجود بعض قادة طالبان أوالقاعدة بين المصلين وكمثال على ذلك تدمير أحد المساجد في ولاية بكتيا أثناء أداء المسلمين صلاة التراويح بهدف قتل الملا جلال الدين حقاني (رحمه الله) والذي لم يكن موجودا حينها وبالطبع فإن مثل هذه العمليات كانت تتم بارشاد من الخونة الذين كانوا يلقون الشرائح الألكترونية التي توجه الطائرات الأمريكية إلى الأماكن المستهدفة ونتج عن ذلك نزوح مئات الآلاف من ديارهم إلى باكستان وإيران اللتان أغلقتا حدودهما في وجوههم كما مات الكثيرون نتيجة الجوع والمرض والبرد وقد أدانت بعض المنظمات الدولية تلك الجرائم وبالطبع لا تأثير لتلك الإدانات لما يجري على الأرض

لم يكتف الأمريكان بالغارات الجوية واستخدام الصواريخ بعيدة المدى بل أرسلوا وحدات عسكرية من القوات الخاصة والتي بدأت عملها بالتنسيق مع تحالف الشمال كما قاموا بالأعمال الاستخبارية بهدف شق صفوف حركة طالبان واستمالة بعض القبائل الأفغانية للعمل معهم ضد حكومة طالبان وبالطبع كان هذا العمل يتم بالتعاون مع المخابرات الباكستانية ومخابرات الدول العربية التي ساهمت في الحرب ضد الإتحاد السوفييتي في ثمانينيات القرن الماضي(بايعاز من الأمريكيين كما أسلفنا) وهنا لابد لنا من التوقف قليلا للحديث عن مواقف مختلف الأطراف في  افغانستان من الغزو الصليبي لبلادهم

فتحالف الشمال رحبوا بذلك الغزو حيث وجدوا فيه فرصتهم المناسبة لازاحة حكومة طالبان وبالتالي العودة إلى كابل بعد أن فشلوا فيما مضى رغم كل الدعم الذي تلقوه من مختلف الدول كما أسلفنا وقد أصر زعماؤهم على ذلك الموقف رغم مطالبة العديد من الزعامات الأفغانية بتناسي الخلافات الجانبية والتوحد لمواجهة الغزو الصليبي وكان من الذين طالبوا بذلك زعيم الحزب الإسلامي غلب الدين حكمتيار الذي كان موجودا في أيران حينها لكن جماعة التحالف لم يكترثوا بتلك الدعوات بل راحوا ينسقون مع الغزاة فسقطوا مرة أخرى بل وقعوا في أحد نواقض الإسلام عندما أعانوا الكفار على إخوانهم في العقيدة وبالطبع فنحن  لانتحدث هنا عن فلول الشيوعيين كعبد الرشيد دوستم والعلمانيين والرافضة الذين انخرطوا في ذلك التحالف فهم خارج الملة  ولكننا نعني المحسوبين على الإسلاميين وبالتحديد عبد رب الرسول سياف وبرهان الدين رباني وهما عضوان في التنظيم العالمي للإخوان المسلمين و بالطبع لم يصدر عن تلك الجماعة أية إدانة لذلك العمل الشنيع بل التزمت تلك الجماعة الصمت التام على تلك الخيانة(ماعدا مواقف بعض المحسوبين على الجماعة الذين أدانوا تلك الخيانة) بل إن مجلة رسالة الاخوان قد أثنت على سياف ورباني فيما بعد عندما حصدوا بعض الأصوات في الانتخابات الهزلية في أفغانستان بعد عدة سنوات من العزو الصليبي في وقت كان المسلمون منشغلون بقضية الأخت وفاء قسطنطين في مصر التي هداها الله إلى الإسلام واختطفتها الكنيسة القبطية هي وأخواتها فيما بعد ولم تتعرض تلك الجماعة للحديث عن هذه القضية حتى ولو من باب التلميح وهذا قرأته في تلك النشرة والتي كانت تصلني في تلك الأثناء

وأما حكمتيار فقد وقف ضد ذلك الغزو منذ اللحظة الأولى بل ذهب لأبعد من ذلك عندما سلم مجاهدي طالبان مستودعات الأسلحة التي يحتفظ بها حزبه داخل أفغانستان وكان بين تلك الأسلحة ١٢ صاروخا أمريكيا مضادا للطائرات من طراز ستيلنجر وقد أثنى الملا عمر محمد على ذلك الموقف المشرف في بيان أصدره في تلك الأثناء  وصف فيه حكمتيار بالمجاهد الكبير

وهكذا كانت أحداث الحادي عشر من أيلول بداية التمحيص داخل الصف الإسلامي  والتي توالت فصولها فيما بعد

أما حركة طالبان فقد بايع مجاهدوها الملا عمر على الجهاد حتى النصر أو الشهادة

أما كيف جرت المعارك داخل أفغانستان فهذا ماسنتحدث عنه في الفصول القادمة إن شاء الله



2021-07-26
كاتب من بيت المقدس


الخميس، 1 يوليو 2021

الجهاد الافغاني بين غلو التقديس وغلو التخوين

حقائق غائبة  


الفصل الحادي والعشرون
الجزء الثالث
الامارة الاسلامية تواجه امتحانا عسيرا

 لم تتوقف مؤمرات أعداء الإسلام لحظة واحدة منذ قيام إمارة أفغانستان الاسلامية حيث كانت الكثير من الدول تقدم كل أشكال الدعم لتحالف الشمال المعادي والذين ارتضوا التعاون مع مجوس الهند والصليبيين والرافضة اضافة لفلول الشيوعيين في الداخل كل ذلك كان يتم خلف الكواليس وحتى في العلن في معظم الأحيان وجاءت أحداث الحادي عشر لتجعل العالم كله يعلن عداءه الصريح للامارة الفتية ولينضم إلى صفوف الأعداء الذين كانوا يعترفون بالامارة الاسلامية ويقيمون معها علاقات دبلوماسية وتجارية مثل باكستان والامارات وقبل ذلك قطعت حكومة الرياض علاقاتها بافغانستان

على أية حال اجتمع مجلس الامن في اليوم التالي لتلك الأحداث واتخذ قرارا بالاجماع بادانة ذلك العمل وبضرورة معاقبة "الجناة"ومن يأويهم أويساعدهم وتم اتخاذ القرار وفق البند السابع من ميثاق "الأمم المتحدة" أي أن القرار يخول أمريكا حق استخدام القوة لتنفيذه وهكذا بدأت الضغوط تزداد على قيادة طالبان ولم يكن أمامهم سوى تسليم الفاعلين أومواجهة الحرب وهنا أثبت الملا عمر محمد (رحمه الله) أنه من أصحاب العزيمة إذ قال كلمته المشهورة إن ديننا لايسمح لنا بتسليم من التجأ إلينا من المسلمين إلى الكفار وهذه تعادل تنازلنا عن الصلاة أي بتعبير آخر أن هذا العمل يعني الخروج من ملة الإسلام عندها وفي يوم ٢٠ أيلول اجتمع عدد كبير من علماء أفغانستان (وقدرت المصادر عددهم بخمسة آلاف حسب ماورد في ذلك الوقت لكن الروايات الموجودة حاليا تقدر عددهم بألف عالم) واتخذ الحاضرون قرارا بتخيير بن لادن بين البقاء في أفغانستان أو الخروج منها حيث يشاء

وهنا بدأت الضغوط على الإمارة الإسلامية تزداد من قبل جميع الأطراف وعلى رأسهم باكستان التي أرسلت الوفود إلى قندهار مطالبة قادة طالبان بتسليم بن لادن ولكن لم تفلح جميع هذه المحاولات بثني قادة طالبان وعلى رأسهم الملا عمر محمد (رحمه الله) عن رفضهم المطلق لهذا الأمر إنما طالبوا الأمريكيين بتقديم الأدلة التي تدين المتهمين لمحاكمتهم في أفغانستان من قبل محكمة تشارك فيها بعض الدول الإسلامية وبالطبع لم يكن ذلك ليرضي غرور الأمريكيين في ذلك الوقت الذي تعرضوا فيه للإهانة وهم في قمة التجبر والعلو في الأرض فكان ردهم الرفض الكامل لأي اقتراح تقدمه قيادة طالبان بل إن المسؤولين الأمريكيين كانوا يبدون احتقارهم لقادة طالبان الذين أظهروا رباطة جأشهم امام تلك المحن التي تزلزل الجبال الراسيات ولم يكترثوا بجميع التهديدات التي كانت تصدر عن المسؤولين الأمريكيين وأما الفاعلون فقد أصروا على نفي علاقتهم بذلك الحادث

وهكذا ذهب الأمريكيون للتحضير للحرب منذ اليوم الأول لذلك الحدث بل إن المعلومات التي رشحت فيما بعد أكدت عزم الأمريكيين غزو أفغانستان والعراق قبل وقوع أحداث الحادي عشر من أيلول فجاءت تلك الأحداث لتسرع مما كانوا يخططون له

وهكذا بدأ الغزو الصليبي لأفغانستان يوم الأحد السابع من تشرين الأول أي بعد أقل من شهر على أحداث الحادي عشر من أيلول حيث بدأ الأمريكيون هجومهم بامطار المدن الأفغانية (وخاصة كابل وقندهار) بوابل من الصواريخ كما بدأت الطائرات الأمريكية تشن غاراتها على أفغانستان لتبدأ بعد ذلك الحرب الصليبية على أفغانستان والتي استمرت لمدة ثمانية عشر عاما وانتهت بهزيمة الأمريكيين وهذا ماسنتحدث عنه لاحقا إن شاء الله


2021-07-01
كاتب من بيت المقدس


الأربعاء، 9 يونيو 2021

الجهاد الافغاني بين غلو التقديس وغلو التخوين

حقائق غائبة 


الفصل الحادي والعشرون
الجزء الثاني

تداعيات أحداث الحادي عشر من أيلول

كما ذكرنا فيما سبق قد حزم الأمريكيون أمرهم على معاقبة الفاعلين الحقيقين ولكي نعرف كيف ولماذا فعلوا ذلك وتأثير ذلك على أفغانستان لابد لنا من التعريج على تداعيات ذلك الحدث على الأمريكيين ومعهم العالم الغربي أولا ثم المسلمين ثانيا وأخيرا على بقية دول العالم ثالثا

فالأمريكان تعرضوا لإهانة كبيرة تفوق هزيمتهم المخزية في حرب فيتنام وقل مثل ذلك عن العالم الغربي الذي تقوده أمريكا خاصة وأن ذلك الحدث قد وقع في وقت كان فيه هؤلاء( العالم الغربي بقيادة أمريكا)  يعيشون نشوة انتصارهم في حرب الخليج الثانية وسقوط الاتحاد السوفييتي وانتصارهم في الحرب الباردة عام ١٩٩١ كما وصل في ذلك الوقت (نهاية عام ٢٠٠٠)إلى البيت الأبيض جورج بوش الابن الذي ينتمي للجناح الأكثر إجراما في الحزب الجمهوري و يتبنى سياسة مفرطة في العداء للمسلمين بصورة فجة وفي غاية الوقاحة والغطرسة بعكس الحزب الديموقراطي الذي يتبنى سياسة أقل فجاجة لكنها تتصف بالخبث والدهاء

وعلى أية حال كان الساسة الأمريكيون على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم الحزبية يتصرفون بمنتهى الصلافة والتجبر بتعاملاتهم مع الآخرين وخاصة المسلمين وقد شاهد العالم أجمع مندوبة أمريكا في الأمم المتحدة مادلين أولبرايت والتي صارت فيما بعد وزيرة للخارجية(وهي يهودية من الحزب الديموقراطي) كيف كانت تتكلم بمنتهى الغطرسة والعنجهية عند مناقشة المواضيع التي تخص المسلمين في مجلس الأمن كالحصار الجائر على العراق في تسعينات القرن الماضي

جاءت أحداث أيلول في هذه الأجواء المشحونة بكل معاني التجبر والعلو في الأرض مع وجود أكثر الساسة إجراما في سدة الحكم خاصة وأن تأثيرات ذلك الحدث لم تقتصر على

الخسارة البشرية(أكثر من ثلاثة آلاف قتيل في يوم واحد) وكذلك الخسارة المعنوية الباهظة كما ذكرنا إضافة للخسائر المادية التي كانت أكثر فداحة وهي تعادل مجموع الخسائر الاقتصادية في الحرب العالمية الثانية إذ بلغت خسارة أمريكا في ذلك اليوم مبلغا قدره ٢ تريليون دولار (حسب محمد حسنين هيكل) نتيجة لانهيار البورصة والذي أدى بعد ذلك لانهيار عدد كبير من الشركات العملاقة مما ضاعف من الخسائر المادية

لذلك جاء رد فعل الأمريكيين عنيفا  باعلان "الحرب العالمية على الارهاب" وقال بوش كلمته المشهورة من ليس معنا فهو ضدنا خاصة بعد أن أخذت أمريكا تفويضا من" مجلس الأمن" بشن تلك الحرب والتي سماها بوش الابن بالحرب الصليبية ومن يجرؤ حينها أن يعترض على أمريكا "سيدة العالم" كما سماها بعض المنهزمين في ذلك الوقت

وهكذا بادرت كل دول  العالم لتقديم مراسم الطاعة والولاء للأمريكان ففتحت الدول الاسلامية(خاصة بلدان الجزيرة العربية وباكستان ومعهم تركيا وكذلك إيران النفاق) أراضيها وأجواءها ووضعت كل امكاناتها المادية والاستخبارية بل وسخرت وسائل الاعلام لصالح "الحرب على الارهاب" بل إن الأمريكيين ذهبوا لابعد من ذلك عندما طالبوا الدول الاسلامية بالعمل على تجفيف "منابع الارهاب" أي بتعبير  أدق محاربة كل مظاهر الإسلام فحوربت الجمعيات الخيرية وكل المؤسسات الدعوية وتم فصل عدد كبير من الدعاة من أعمالهم مع منعهم من القيام بأي نشاط كما اعتقل آخرون غيرهم بل ذهبت بعض الحكومات لأبعد من ذلك عندما عمدت لهدم ومهاجمة المساجد ارضاء للامريكان أوتنفيذا لأوامرهم كهدم مسجد الشيخ عبد الكريم حميد في بريدة عام ١٤٢٥ هجري ومهاجمة المسجد الأحمر في إسلام أباد عام ٢٠٠٧ كل ذلك كان على مستوى الحكومات أما الغالبية الساحقة من أبناء الأمة فكانوا في واد آخر حيث أظهروا فرحتهم وشماتتهم لما أصاب الأمريكان في ذلك اليوم بل ظهرت حالة من النشوة بعد عقد من الإذلال نتيجة حرب الخليج الثانية وتوقيع اتفاق العار في اوسلو بين الكيان اليهودي و"منظمة التحرير الفلسطينية" وما تلاها من اجهاض للانتفاصة الأولى وحصار العراق وأحداث الجزائر والتي تحدثنا عنها سابقا

إذا تنفس المسلمون الصعداء بعد عقد مليء بالمآسي والاحباط مع الإذلال والاهانة فوصل العداء والحقد والكره للامريكان ذروته مع وجود رغبة جامحة للانتقام منهم بأي وسيلة  ذلك عند قطاع كبير من العامة أما الذين يتصدرون المشهد فكانوا على النقيض من ذلك إذ راحوا يخذلون عن الأمريكيين بمختلف العبارات فراحوا يتحدثون عن تحريم قتل الأبرياء بل ذهب بعضهم لأبعد من ذلك عندما اعتبر من قتل في مبنى البنتاجون بأنهم من الأبرياء (يوسف القرضاوي في قناة الجزيرة) وكأن البنتاغون جمعية خيرية وينسى هؤلاء أويتناسون دور تلك المؤسسة ومعها دوائر الاستخبارات بما أصاب ويصيب المسلمين وغيرهم وعلى أية حال قد يقبل أكثر الناس كرها لأمريكا وصف قتلى الطائرات التي تم اختطافها وكذلك قتلى مبنى التجارة العالمية بالأبرياء أما قتلى البنتاغون فذلك أمر آخر

المهم بالأمر أن أولئك الناس لم يطرحوا السؤال المنطقي في مثل هذه الحالات عن دوافع المنفذين لذلك العمل ولماذا قبلوا التضحية بأنفسهم وغيرهم ؟؟؟؟؟ لماذا لم يهاجم الفاعلون دولة أخرى كاليابان مثلا؟؟؟؟؟  وذهب آخرون للتفسيرات الخرافية للحدث كما أسلفنا وهكذا سقط هؤلاء وأولئك وأثبتوا أن الزمن قد عفا على طروحاتهم وأن الواقع قد تجاوزهم وهكذا كانت هذه الحادثة سببا لتمحيص الصف الإسلامي فقد كان  التمحيص فيما مضى بين العلمانيين والإسلاميين وبعد هذه الحادثة بدأ التمحيص داخل الصف الإسلامي والذي سنشاهد له فصولا أخرى لاحقا أشد وضوحا للتمايز بين من يعمل للإسلام الذي ارتضاه الله لعباده ومن يسعى لتفصيل إسلام "معتدل " يرضى عنه الآخرون وسيظهر ذلك بصورة أكثر وضوحا فيما بعد وهذا ماسنتطرق إليه لاحقا

وهكذا وجدت الامارة الفتية في أفغانستان نفسها في مواجهة حكومات العالم دفعة واحدة يضاف إلى ذلك العدو الداخلي ممثلا بتحالف الشمال أو كما سماه أصحابه"بالجبهة الإسلامية المتحدة" والذين تضاعف حقدهم على حركة طالبان والمجاهدين العرب نتيجة لاغتيال أحمد مسعود شاه أكبر القادة العسكريين في ذلك التحالف في تلك الأثناء

فكيف تصرفت حركة طالبان أمام تلك الرياح العاتية التي تهز الجبال الراسيات

هذا ماسنتحدث عنه لاحقا إن شاء الله



2021-06-09
كاتب من بيت المقدس



الاثنين، 31 مايو 2021

الجهاد الافغاني بين غلو التقديس وغلو التخوين

حقائق غائبة

الفصل الحادي والعشرون
أحداث الحادي عشر من أيلول ٢٠٠١
الجزء الأول

لم يكن يوم الثلاثاء الحادي عشر من أيلول من عام ٢٠٠١ يوما عاديا بل كان يوما تاريخيا بامتياز حيث تعرضت فيه أمريكا لأول مرة في تاريخها لأن تضرب في عقر دارها وفي أهم رموزها التي تدل على العلو في الأرض(مبنى التجارة العالمية ومبنى البنتاغون)

وقبل الحديث عن تأثير ذلك الحدث على أفغانستان لابد لنا من التوقف قليلا عند هذا الموضوع وبغض النظر عن موقفنا مما حدث فنحن هنا بصدد التوصيف والتحليل وبالطبع لا يستطيع الإنسان أن يكون محايدا في مثل هذه المسائل إذ لكل إنسان رؤيته وموقفه النابع من خلفيته وولاءاته وانتماءاته العقدية والفكرية وتركيبته العقلية والنفسية ومستوى تعليمه ومدى وعيه وادراكه لما يدور حوله من أحداث ومهما يكن من أمر  فإن المطلوب أن يكون المرء عادلا

 لقد تناقضت كثيرا التحليلات وتضاربت المعلومات حول ماجرى فالامريكيون بادروا منذ اللحظة الأولى لتوجيه الاتهام نحو الفاعلين الحقيقيين لما لديهم من أدلة لم يفصحوا عنها لأسباب قد نتطرق لبعضها لاحقا

وهنا لابد لنا أن نشير إلى أن التكتم والخداع والتضليل صفات ملازمة لجميع أجهزة الأمن والمخابرات في العالم أما لعدم معرفة ملابسات الحدث أولضرورات التحقيق وبالتالي تضليل الخصوم ومنعهم من الاستفادة من أية معلومات يتم الافصاح عنها لذا يكون الغموض  وشحة بل تناقض المعلومات التي تفصح عنها تلك الأجهزة في مثل هذه الأحداث هو الأمر الغالب مما يتيح هامشا واسعا لترويج الاشاعات كما يتيح لاصحاب نظرية المؤامرة  للاغراق في تحليلاتهم وخيالاتهم والتي تصب بعيدا عن الحقيقة

ولو استعرضنا سريعا بعض الآراء المطروحة حول هذا الحدث في حينها وحتى يومنا هذا نرى مايلي

فأصحاب نظرية المؤامرة والذين يرون أن ماجرى ليس إلا مؤامرة مفتعلة من قبل الأمريكيين ليبرروا احتلالهم لأفغانستان والعراق بعد ذلك وينسى هؤلاء أن ذلك الحدث قد جرح كرامة الأمريكيين بل والعالم الغربي برمته جرحا عميقا لا يندمل حتى لواستعملوا أسلحتهم النووية ضد المسلمين كما يقول الدكتور أكرم حجازي ويكفي أن نتذكر منظر جورج بوش الإبن وهو يقف باكيا أمام أنقاض برجي التجارة العالمية في نيويورك لنعرف حجم الاهانة التي تعرضت لها أمريكا في ذلك اليوم وهذا وحده كافيا لنسف هذا التفسير من جذوره

وذهب آخرون لاتهام الموساد الإسرائيلي والقوى الخفية التي تتحكم في هذا العالم ومازال أصحاب هذه التفسيرات الخرافية ماضون في تفسيراتهم لكل ماجرى بعد ذلك مثل تفجيرات جزيرة بالي في اندونيسيا نهاية عام ٢٠٠٢ وتفجيرات مدريد يوم ١١ اذار عام ٢٠٠٤ والتي وقعت قبيل الانتخابات في اسبانيا وكانت تهدف لاسقاط رئيس وزرائها في تلك الانتخابات لأنه وقف مع الأمريكيين في احتلال العراق عام ٢٠٠٣ وأغرب ماقرأته في دورية رسالة الاخوان اتهامهم للقوى الخفية بتنفيذ تلك التفجيرات ثم التساؤل كيف فات "القوى الخفية" أن تلك التفجيرات يمكن أن تؤدي لاسقاط  رئيس وزراء اسبانيا في تلك الأثناء خوسيه ماريا أزنار(الذي وقف مع بوش الابن بغزوه العراق عام ٢٠٠٣)في تلك الاننخابات !!!!!أي أن القوى الخفية قد أخطأت التقدير في هذه المرة فكانت النتيجة عكسية فكيف فاتهم ذلك !!!!!!!!! ز

 ومازال أصحاب هذه التفسيرات المفرطة في السطحية والخرافة يتصدرون  المشهد عندنا وماضون في تفسير كل مايجري حولنا من أحداث بهذه الطريقة التي تعمق حالة تغييب الوعي عند قطاع واسع من أبناء أمتنا ممن يتلقى معلوماته مما تبثه وسائل الاعلام ومما ينشر في مواقع التواصل الإجتماعي من خرافات وترهات تهدف أولا وأخيرا لتغييب الوعي عند أمتنا وتكريس حالة الضبابية والغثائية وظهر هؤلاء أخيرا بشكل واضح هذه الأيام مع انتشار جائحة الكورونا ليقدموا تفسيراتهم الخرافية

وأما المنهزمون من المسلمين فقد كانت حجتهم أنه ليس بمقدور أية جهة من المسلمين تنفيذ عمل بهذا الحجم وبذلك التخطيط الذي لم يخطر على بال أحد من قبل بل إن كمال الهلباوي قد قال وبالحرف الواحد إن الدول العربية مجتمعة لايمكنها تنفيذ هذا العمل(وهذا صحيح إذا تعلق الأمر بالحكومات) وامامحمد حسنين هيكل فقد اتهم الصرب بسبب مهاجمة حلف الناتو لصربيا عام ١٩٩٩ مما أدى لاستقلال اقليم كوسوفو عن صربيا أما لماذا لم يشر حسنين هيكل للفاعلين الحقيقيين فهذا يعود لخلفيته الفكرية التي لاتقيم وزنا للاسلام والمسلمين لذلك كانت تحليلاته في غاية السطحية إذا تعلق الأمر بالاسلام أو المسلمين

وفي الجهة المقابلة شاهدنا الحكومات العربية وإعلامييها يسارعون لنفي أية علاقة للعرب بذلك الحدث خوفا من بطش سيدهم في البيت الأببض بل سارعوا لتقديم مراسيم الولاء والطاعة قبل أن يشن الأمريكيون حربهم على أفغانستان

وأما الرافضة ومن يدور في فلكهم فقد بادروا لتقديم التحليلات التي تنفي علاقة الفاعلين الحقيقيين بذلك الحدث(من خلال قناة المنار الناطقة باسم حزب اللات) لأن ذلك يؤدي لخطف الأنظار نحو جهة معادية لهم لأنهم قد تصدروا المشهد الإعلامي بعد انسحاب اليهود من جنوب لبنان عام ٢٠٠٠ مما أكسبهم هالة من البطولة عند قطاع كبير من أبناء أمتنا حتى عند قطاع كبير ممن يتصدر المشهد في ساحة العمل الإسلامي لذلك نراهم ينزعجون من أي جهة إسلامية تتصدى لمواجهة أمريكا وربيبتها(الكيان اليهودي) لذا كانوا ومازالوا حريصين على أن يقدموا أنفسهم كعدو لدود"للشيطان الأكبر"وربيبته وبالتالي فلن يقبلوا أن تظهر أية جهة سنية تتبنى عملا جادا ضد أمريكا لأن ذلك سيكشف نفاقهم ودجلهم

وهنا لابد ان نشير إلى أن المحللين كانوا يستندون إلى نفي الفاعلين صلتهم بتلك العملية إضافة لشح وتنافض المعلومات الذي أشرنا إليه وهذا أدى لتبني بعض المفكرين المسلمين تفسيرات بعيدة عن الحقيقة تراجعوا عنها بعد ذلك

وعلى أية حال مهما كانت الجعجعات الإعلامية التي أبعدت التهمة عن الفاعلين الحقيقيين فإن ذلك لم يغير من موقف الأمريكيين قيد أنملة وأصروا على موقفهم بتوجيه أصابع الاتهام نحو الفاعلين الحقيقيين كما حزموا أمرهم على معاقبتهم وهكذا سارت الأمور في هذا الاتجاه وهذا ماسنتحدث عنه في الفصل القادم إن شاء الله


2021-05-31
كاتب من بيت المقدس

الثلاثاء، 30 مارس 2021

الجهاد الافغاني بين غلو التقديس وغلو التخوين
حقائق غائبة 

الفصل العشرون
المجاهدون العرب في أفغانستان
كما ذكرنا سابقا فقد شارك عدد كبير من الشباب العربي في الجهاد الأفغاني وقد ذكرنا أن الذين شاركوا جاءوا من بلدان الجزيرة العربية والعراق والشام إضافة لبلدان شمال أفريقيا وكذلك من الجاليات العربية في أوروبا وأمريكا
وكان أكثرهم لايعانون أية مشاكل في البلدان التي أتوا منها كالذين أتوا من بلدان الجزيرة العربية وكذلك القادمون من أوروبا وأمريكا وهؤلاء كان باستطاعتهم العودة من حيث أتوا بل إن بعضهم كان يحضر إلى أفغانستان لفترة محدودة ثم يرجع ألى بلده ويعود ثانية وبالطبع لم يكن الجميع مشاركا في الأعمال العسكرية إنما وجد عدد لابأس به ممن انخرطوا باعمال الإغاثة في المناطق الحدويه وخاصة مدينة بيشاور التي ضمت عددا من المشافي كمشفى الهلال الأحمر الكويتي وكذلك مشفى لجنة الدعوة الكويتية إضافة للهلال الأحمر السعودي وغيرها من مراكز الإغاثة الأخرى
وفي مدينة بيشاور وفي ساحات الجهاد داخل أفغانستان تجمع عدد كبير من الشباب العربي من مختلف التوجهات الحركية والذين فروا من بطش الحكومات في بلدانهم وهنا ذابت التوجهات القطرية الضيقة عند الكثيرين خاصة أن هؤلاء كانو ناقمين على الأوضاع القائمة في العالم لأنهم ضحايا ذلك الواقع المؤلم وهنا نمت البذرة الأولى لظاهرة الجهاد العالمي والتي فرضت نفسها فيما بعد كأخطر ظاهرة تهدد النظام العالمي القائم كما تحدث عن ذلك العديد من المحللين الاستراتيجيين بل إن تصرف أركان النظام العالمي مع تلك الظاهرة خير دليل على جديتها ومدى خطورتها وعلى أية حال فهذا موضوع شائك ولايمكننا الإلمام به في هذه العجالة
وبخصوص الشباب الذين فروا من بلدانهم فإن معظمهم كان مسجلا لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والتي ساعدت بعضهم باللجوء إلى أوروبا وأمريكا واستراليا وأعرف بعض الأخوة الذين جاءوا إلى دول شمال أوروبا
ومع انتهاء الجهاد الأفغاني اشتدت المضايقات على الفارين من بلدانهم حيث اندلعت في هذه الأثناء المواجهات بين نظام الحكم في الجزائر والإسلاميين هناك بعد الانقلاب على نتائج الانتخابات وكذلك حصلت بعض المواجهات مع النظام المصري كما اندلعت الحرب في الشيشان والبلقان ضد المسلمين هناك وكذلك الحرب بين أذربيجان والأرمن الذين احتلوا إقليم ناغورنو كاراباخ فانتقل بعض المجاهدين العرب إلى ساحات المعارك في تلك البلدان نصرة لإخوانهم المسلمين في تلك البلدان وهذا الأمر لم يكن ليرضي أهل الكفر والنفاق على اختلاف نحلهم فظهر في هذه الفترة (بداية تسعينات القرن الماضي)مصطلح العرب الأفغان والتي باتت المادة الرئيسية في وسائل الإعلام والتي يتحكم بها أعداء الأمة فصار المجاهدون العرب الذين تقطعت بهم السبل مطاردين من قبل جميع أجهزة المخابرات العالمية وحتى من قبل بعض الأفغان الذين تأثروا بما يتلقونه من وسائل الإعلام التي تصف المجاهدين العرب بالوهابيين وهذه كلمة لا أصل لها إنما اخترعها الرافضة فتلقاها بعض المسلمين بعد أن تم تشويهها كثيرا في أذهانهم وخاصه غير الناطقين بالعربية وهذا الموضوع فيه كلام كثير إنما يكفي أن نقول أن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لم تكن سوى دعوة إصلاحية تهدف لاعادة المسلمين إلى التمسك بالكتاب والسنة وظهرت في وقت عم فيه الجهل وانتشرت فيه البدع والخرافات مع التقليد الأعمى بين المسلمين فكان من الطبيعي أن تواجه تلك الدعوة ردود فعل عنيفة من قبل قطاع لا بأس به من أبناء الأمة الذين يصعب عليهم الخروج على ما ألفوه والذي زاد الطين بلة هو بعض التصرفات(التي تفتقد الحكمة)  من قبل بعض أتباع الدعوة يضاف إلى ذلك تسييس الدعوة بعد تفريغها من محتواها وتحويلها لأداة لتطويع الأمة للساسة الذين يدورون في فلك الأعداء مما سهل على الأعداء تشويه الدعوة واستعمال كلمة الوهابية لمحاربة كل مخلص لدينه وأمته وبالتالي ينساق أبناء الأمة في مخططات الأعداء وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا
وعلى أية حال فقد التجأ من تبقى من المجاهدين العرب إلى الإمارة الإسلامية في أفغانستان وهنا لابد من الاشارة للمواقف المشرفة لبعض قادة الجهاد الأفغاني الذين آووا إخوانهم العرب قبل تأسيس الإمارة الإسلامية في أفغانستان ويأتي في مقدمتهم الملا جلال الدين حقاني رحمه الله وجعل ذلك العمل في ميزان حسناته
كما ينبغي أن نشير إلى أن بعض المجاهدين العرب قد رفضوا العروض المقدمة إليهم بالهجرة إلى أوروبا وأمريكا وآثروا البقاء في ساحة الجهاد
بعد تأسيس الإمارة الإسلامية في أفغانستان أعلن قادة المجاهدين العرب مبايعتهم للملا عمر محمد رحمه الله والذي بدوره أحسن استقبالهم وقد أشرنا سابقا إلى نجاح ثلة قليلة من المجاهدين العرب بحماية مدينة كابل من تحالف الشمال مما رفع من أسهمهم عند قادة طالبان كل ذلك أدى لأن يشعر المجاهدون العرب بالحرية التامة في أفغانستان فكان من نتيجة ذلك تأسيس ما أطلق عليه الجبهة الإسلامية العالمية لمحاربة اليهود والنصارى وباشرت عملها ضد المصالح الأمريكية حيث نفذت عدة عمليات في الجزيرة العربية وشرق أفريقيا  قام بعدها الأمريكيون بقصف أفغانستان ب ٧٥ صاروخا من طراز كروز في صيف ١٩٩٨ كما اشتد الحصار على الإمارة الإسلامية ومع ذلك لم يغير ذلك من موقف الإمارة الإسلامية من ضيوفهم العرب واستمرت الأمور على هذه الحالة حتى وقعت أحداث ١١ أيلول عام ٢٠٠١ لتدخل الإمارة الإسلامية في أفغانستان بامتحان أشد مما تعرضت له فيما مصى
وهذا ماسنتحدث عنه في الفصل القادم إن شاء الله




20201-03-30
كاتب من بيت المقدس

الجمعة، 26 مارس 2021


الجهاد الافغاني بين غلو التقديس وغلو التخوين
حقائق غائبة

الحلقة التاسعة عشر
الابتلاءات التي تعرضت لها الامارة الإسلامية
لقد اشتد البلاء على الامارة الإسلامية الوليدة بعد دخول كابل ثم مزار شريف بعد ذلك ففي هذه الفترة أي بين عامي ٩٦ وحتى عام ٢٠٠١ لم تتوقف المناوشات مع تحالف الشمال الذين  هاجموا في احدى المرات مدينة كابل عندما كان مجاهدوا الحركة منشغلين في الشمال فتصدى لهم مجموعة صغيرة من المجاهدين العرب لم يتجاوز عددهم الخمسين وتمكنوا من دحر ذلك الهجوم وهنا ارتفعت أسهم المجاهدين العرب عند حركة طالبان وأنصارها على عكس جماعة تحالف الشمال الذين صاروا يحقدون على جميع العرب وهذا ماسنتطرق له لاحقا إن شاء الله
وفي هذه الأثناء إلتجأ إلى أفغانستان مجموعة من مجاهدي تركستان الشرقية والذين كانوا يقاتلون ملاحدة الصين الذين يحتلون بلادهم منذ عقود وهنا طالب ملاحدة الصين الإمارة الإسلامية تسليمها أولئك المجاهدين فرفض الملا عمر ذلك الطلب
في هذه الفترة أمر الملا عمر (رحمه الله) بازالة أصنام بوذا الموجودة في منطقة باميان وقد صدرت فتوى من علماء أفغانستان بذلك كما أن حركة طالبان كانت تستفتي الشيخ حمود عقلا  الشعيبي(رحمه الله)في الكثير من القضايا لأنه(رحمه الله) موضع ثقة عند علماء الحركة وقد عرضت في حينها اليابان وغيرها من الدول  على الإمارة الإسلامية مبالغ طائلة من المال مقابل نقل تلك الأصنام إلى اليابان أوإلى أماكن أخرى في وقت  اشتد فيه البلاء على الأفغان بسبب الجفاف الذي أصاب البلاد إضافة للحصار الجائر الذي فرضته دول الكفر على الأفغان ومع ذلك فقد رفض الملا عمر(رحمه الله) ذلك العرض وقال كلمته المشهورة أريد أن يحشرني الله مع هادمي الأصنام لا مع بائعي الأصنام وقد بدا النفاق العالمي جليا حيث لم يكترث العالم لأطفال أفغانستان الذين كانوا يموتون نتيجة الجوع والمرض بسبب القحط والحصار الجائر ولم يقدموا تلك الأموال لانقاذ أولئك المساكين وكانت حجتهم أن الأموال مخصصة لأصنام بوذا التي يعتبرونها "تراثا حضاريا"يجب المحافظة عليه
وهنا لابد أن نذكر مواقف بعض الإسلاميين المقاصديين او المصالحيين أومن يحلو لهم التسمي بالوسطيين او المعتدلين والذين يبالغون بالحديث عن مقاصد الشريعة والمصالح ودرء المفاسد وعن "الوسطية والاعتدال"  حيث سافر وفد من هؤلاء إلى أفغانستان والتقوا الملا عمر محمد (رحمه الله)  لثنيه عن تدمير تلك الأصنام وكان على  رأسهم الشيخ يوسف القرضاوي ومفتي مصر في تلك الأثناء نصر فريد واصل إضافة لمحمد سليم العوا وفهمي هويدي وعلي قره داغي مع آخرين كما رافقهم بعض الشخصيات الرسمية من حكومة قطر
حيث ظهر جليا أن ظاهرة الغثائية في أمتنا لاتقتصر على عامة الناس بل تمتد إلى النخب ممن يتصدرون المشهد عندنا والذين يتحركون وفق مصالح ورغبات أعداء الأمة وفي أحسن الأحوال يتأثرون بالتهويش الإعلامي الذي يمارسه الأعداء فيبنون قناعاتهم ومواقفهم بناء على المعلومات المأخوذة من الأعداء وهكذا
يتحركون ضد مصالح الأمة وبما يخدم مصالح الأعداء سواء أعلموا ذلك أو لم يعلموا
على أية حال فقد نجح قادة طالبان بإحراج ذلك الوفد عندما قالوا لهم لقد تأخرتم كثيرا بمجيئكم لقد مضى سنوات عديدة على هدم المسجد البابري (الذي هدمه مجوس الهند عام ١٩٩١) أي أنهم لم يتحركوا انتصارا لمسلمي الهند وإنما تحركوا انتصارا لأصنام بوذا.
وعلى أية حال لم يستطع الوفد تقديم أي دليل شرعي يبين خطأ هدم الأصنام ورجع أعضاؤه إلى بلدانهم بعد أن ناقشوا قضايا أخرى مع قادة طالبان مثل تعليم البنات حيث شرح قادة الحركة لأعضاء الوفد صعوبة ايجاد مدارس كافية للبنين لذا كان عليهم أولا تدريس الأبناء وبعد ذلك يمكن تدريس البنات وعلى أية حال فقد اقتنع بعض أعضاء الوفد بما سمعه من قادة طالبان فتوقفوا عن مهاجمتهم بعد عودتهم كالشيخ يوسف القرضاوي بل أنصفهم في بعض الأحيان. وبعض أعضاء الوفد واصل انتقاد حركة طالبان كسليم العوا
وهكذا كانت تعاني الإمارة الإسلامية من الإبتلاءات والتي كان أشدها إيلاما ظلم المسلمين لها الذين كانوا يستعملون نفس المصطلحات التي يستعملها الأعداء وهذا هو شأن كل من يتبنى مشروعا جادا يمثل هموم أمتنا فإنه سيجد الصدود والتسفيه بل العداء والمحاربة لمشروعه من أبناء أمتنا والذين سيقفون في صف الأعداء في محاربته وهكذا ندور في حلقة مفرغة من التآكل الذاتي لنوفر على الأعداء تكاليف الدخول بمواجهات مكشوفة مع أمتنا
ومن المصاعب التي واجهت الامارة الإسلامية الخراب الكبير الذي أصاب البلاد نتيجة الحرب حيث دمرت البني التحتية وقنوات الري والطرقات والمصانع ومع ذلك فقد تمكنت الإمارة الإسلامية بامكاناتها الذاتية وبمساعدة الباكستانيين من إعادة تشغيل ٦٠ مصنعا من أصل ٢٥٠ مصنعا مدمرا
كما أن حقول الألغام كانت تتسبب بقتل الكثير من الناس حيث زرع الروس عشرات الملايين منها في افغانستان قبل انسحابهم وقد ذكرت سابقا أن الروس سلموا مسؤولي الأمم المتحدة خرائط بألفي حقل ألغام وقد تمكنت الإمارة الإسلامية من تنظيف العديد من المناطق لكن ماتزال الكثير من تلك الألغام موجودة حتى يومنا هذا
وهكذا عانت الإمارة الإسلامية من العديد من الابتلاءات خلال السنوات الخمسة التي تلت دخول مدينة كابل حتى إذا وقعت أحداث ١١ أيلول من عام ٢٠٠١ دخلت الإمارة الإسلامية بامتحان جديد هو الأصعب والذي سنتحدث عنه في الفصل القادم إن شاء الله
وقبل أن نتحدث عن هذا الموضوع سنتوقف عند موضوع المجاهدين العرب في أفغانستان




20201-03-19
كاتب من بيت المقدس

الجمعة، 19 مارس 2021

الجهاد الافغاني بين غلو التقديس وغلو التخوين
حقائق غائبة 


الحلقة الثامنة عشر
دخول حركة طالبان إلى كابل

كما ذكرنا سابقا فقد تمكنت طالبان من إحكام سيطرتها على مدينة كابل في ٢٧ أيلول من عام ١٩٩٦ بعد مواجهات عنيفة مع الفصائل التي كانت تسيطر على المدينة وفي مقدمتها الجمعية الإسلامية التي يتزعمها برهان الدين رباني واتحاد المجاهدين الذي يتزعمه عبد رب الرسول سياف وأول عمل قام به مجاهدوا الحركة قتل نجيب الله آخر حكام أفغانستان من الشيوعيين مع شقيقه واللذان كانا مختبئين في مبنى "الأمم المتحدة "منذ ربيع عام ١٩٩٢ وعندها أثبتت الحركة أنها ليست أداة بيد الحكومة الباكستانية كما كان يتهمها الكثيرون بمن فيهم بعض الطيبين من الإسلاميين وعندها دخلت الحركة في مواجهة مع النظام العالمي الذي تهيمن عليه قوى الكفر التي راحت تدعم أعداء الحركة الذين تجمعوا بجبهة واحدة أطلقوا عليها اسم "الجبهة الإسلامية المتحدة" والتي كانت تضم اضافة لجماعة رباني وسياف فلول الشيوعيين الذين انشقوا عن نظام كابل قبيل سقوطه وعلى رأسهم عبد الرشيد دوستم اضافة لأحزاب الرافضة والجماعات والفصائل الصوفية والقومية أما غلب الدين حكمتيار فقد خرج إلى أيران بعد أن انضم معظم أعضاء جماعته لحركة طالبان والذين لم ينضموا للحركة فقد توقفوا عن القتال
أما الذين تسموا" بالجبهة الإسلامية المتحدة أو ماعرف فيما بعد ذلك باسم تحالف الشمال فقد أصروا على مقاتلة حركة طالبان وراحوا يتلقون الدعم المادي والمعنوي من قوى الكفر العالمي في الشرق والغرب وعلى رأسهم إيران النفاق ومجوس الهند بل إن القائد أحمد مسعود شاه والذي كان يتسلم منصب وزير الدفاع في حكومة "المجاهدين" قام بزيارة للدول الأوروبية وهذا ماشاهدته على شاشات التلفزة وكان يرتدي الملابس الأوروبية
وهنا سقط أولئك الذين تسموا بالمجاهدين حيث قبلوا لأنفسهم التحالف مع المشركين (الرافضة)والمرتدين (فلول الشيوعيين) داخل أفغانستان كما تحالفوا مع قوى الكفر العالمي خارج أفغانستان أما حركة طالبان فقد أعلنت عن تأسيس الإمارة الإسلامية في أفغانستان فكان عليها مواصلة الحرب بعد أن اكتسبت الشرعية بما حققته من انجازات خاصة على الصعيد الأمني حيث شعر الأفغان لأول مرة بالأمن الذي فقدوه في السنوات الماضية نتيجة لاقتتال الفصائل الذي تحدثنا عنه سابقا
وبالطبع لم يكن هذا ليرضي قوى الكفر العالمي ومن يدور في فلكها من حكومات في العالم الإسلامي وهنا بدأت الإمارة الإسلامية تواجه الابتلاءات ففي الداخل كان عليها مواجهة تحالف الشمال لانتزاع ماتبقى من البلاد وقد تمكنت الامارة الاسلامية بعد عامين من احكام سيطرتها على ٩٠ بالمئة من أفغانستان بعد أن قدمت تضحيات كبيرة حيث تم تحرير مدينة مزار شريف في أقصى شمال أفغانستان عام ٩٨ وفي هذه الأثناء قتل ١١ شخصا في القنصلية الإيرانية في مزار شريف يحملون صفة دبلوماسيين وهم رجال مخابرات كانوا يساعدون حلفاءهم من الرافضة وعندها شاهدنا كيف توحد الرافضة على اختلاف توجهاتهم وراحوا يهاجمون حركة طالبان ويصفونهم بعملاء أمريكا وغيرها من الترهات التي يرمون بها خصومهم وهددت إيران الامارة الإسلامية التي لم تكترث بتلك التهديدات بل أعلنت استعدادها للمواجهة فالتزم الرافضة الصمت وراحوا يكيدون في الخفاء كعادتهم
وعلى أية حال فقد تحصن جماعة تحالف الشمال في المناطق الجبلية حتى نهاية عام ٢٠٠١ عندما دخلوا كابل مع الغزو الصليبي لأفغانستان وهذا ماسنتحدث عنه لاحقا إن شاء الله
على الصعيد الخارجي لم تعترف بالامارة الإسلامية سوى ثلاث دول هي باكستان وكذلك الإمارات العربية والسعودية واللتان سحبتا اعترافهما بعد أحداث أيلول ٢٠٠١ أما عن الصعوبات والابتلاءات التي واجهت تلك الدولة الوليدة فسنتحدث عنها في الفصل القادم إن شاء الله




20201-03-19
كاتب من بيت المقدس

الأحد، 14 مارس 2021

الجهاد الافغاني بين غلو التقديس وغلو التخوين
حقائق غائبة


الحلقة السابعة عشر
نشوء حركة طالبان

كما ذكرنا سابقا فقد أدى اقتتال المجاهدين بعد دخولهم كابل إلى تداعيات خطيرة جعلت الحياة جحيما لا يطاق في معظم المناطق داخل أفغانستان وقبل أن نتحدث عن نشوء حركة طالبان لابد من التذكير ببعض الحقائق التي ذكرنا بعضها فيما سبق

وأول تلك الحقائق أن غياب الرئيس الباكستاني الأسبق ضياء الحق وكذلك الشيخ عبد الله عزام قد أثر سلبا على الجهاد الأفغاني حيث لعب الرجلان دورا لا يمكن انكاره بتخفيف حدة الخلافات بين فصائل المجاهدين ومع ذلك لم يدخر الدعاة من خارج أفغانستان جهدا لوقف الاقتتال بين فصائل المجاهدين لكن تأثيرهم لم يكن كتأثير الشيخ عبد الله عزام(رحمه الله) الذي كان يحظى باحترام كبير عند زعماء المجاهدين لأنه أمضى سنوات من عمره معهم فتعرف عليهم وشاركهم الجهاد في الخطوط الأولى للجبهات لذلك كانوا يعتبرونه واحدا منهم بعكس الآخرين الذين يأتون من البلدان الأخرى ويقضون بعض الوقت في فنادق مدينة بيشاور يلتقون خلالها ببعض الزعامات ليعودوا بعد ذلك إلى بلدانهم وشتان بين رجال الخنادق ونزلاء الفنادق

كذلك سعى بعض القادة الأفغان كالقائد جلال الدين حقاني(رحمه الله) وهو من الذين لم يتورطوا في الاقتتال وكان دائما يسعى للتوفيق بين الفصائل المتناحرة ولكن دون جدوى إذ كانت المشكلة في غاية التعقيد مما جعلها عصية على الحل لتداخل الكثير من العوامل الذاتية وكذلك المؤامرات الخارجية والتي تحدث عنها اللواء حميد جول رئيس الاستخبارات العسكرية الباكستانية السابق(رحمه الله) في مقابلة له مع مجلة المجتمع الكويتية وأكد على أن لديه أدلة على تورط بعض الدول بإذكاء الفتنة بين فصائل المجاهدين لكنه لم يسم دولة بعينها والمتابعون للشأن الأفغاني يعرفون تلك الدول

وكما ذكرنا سابقا فإن أفغانستان تعتبر العمق الاستراتيجي لباكستان والتي من مصلحتها استقرار أفغانستان مع وجود حكومة أفغانية قويه ولا تضمر العداء لإسلام أباد لذا كان الإسلاميون الأفغان الخيار الأفضل لباكستان لبعدهم عن النزعة القومية من جهة ولوجود الترابط الفكري وحتى العضوي بين الإسلاميين في كلا البلدين من جهة أخرى  وهذا الموضوع من الأمور الثابتة في السياسة الباكستانية والتي تدعمها بقوة المؤسسة العسكرية(ذات التأثير في سياسة الحكومة الباكستانية) ويشكل البشتون العمود الفقري للجيش الباكستاني(حيث يشكلون ٤٠ بالمئة من الجيش الباكستاني رغم أنهم لا يشكلون سوى ١٨ بالمئة من مجموع السكان)

وهنا نعود للحديث عن نشأة حركة طالبان

لقد أدت الأوضاع المأساوية التي تحدثنا عنها داخل أفغانستان إلى تذمر شديد عند الغالبية العظمى من الأفغان فصار الجميع متلهفا لكل من يسعى لانتشالهم مما هم فيه

وبذلك صارت الظروف مهيئة لظهور طالبان أما كيف تشكلت الحركة فهناك من يقول أن المخابرات الباكستانية بادرت إلى تأسيسها وهذا ما يتبناه المناوئون للحركة من الأفغان وهناك من يتحدث عن اجتماع عدد من قادة الجهاد السابقين من بينهم الملا جلال الدين حقاني(رحمه الله)ومعهم عدد من طلبة العلوم الشرعية و الذين اتخذوا قرارهم بتأسيس الحركة وانطلقوا من مدينة قندهار حيث كانت معظم مناطق أفغانستان تعاني فراغا أمنيا ولا سيطرة لحكومة كابل عليها إنما تخضع لسيطرة القادة المحليين وبذلك تمكنت الحركة من السيطرة بسرعة فائقة على مناطق شاسعة في جنوب وشرق أفغانستان حيث يتركز البشتون وخاصة أنصار الحزب الإسلامي الذي يتزعمه غلب الدين حكمتيار والحزب الإسلامي الذي يتزعمه الملا يونس خالص(رحمه الله) حيث انضم قسم كبير من عناصر الحزبين  للحركة دون مواجهات تذكر خاصة جماعة يونس خالص حيث أن الملا حقاني كان أكبر القادة الميدانيين في هذه الجماعة وعندها بادرت الحكومة الباكستانية لاحتضان الحركة ظنا منهم أن بإمكانهم التحكم بحركة طالبان مستقبلا وهذا ما أثبتت الأحداث فيما بعد عدم صحته

لقد نجحت الحركة بتحقيق الأمن في المناطق التي سيطرت عليها فقامت بمكافحة كل أشكال الجريمة بكل حزم وبذلك شعر الناس بالأمان وبذلك اكتسبت طالبان الشرعية وباشرت بتوسيع مناطق نفوذها حيث بدأ الكثير من المخلصين بالانضمام للحركة

طواعية ومن أبى ذلك كان لابد من مقاتلته إذ أن القيادات السابقة قد أثبتت فشلها وأذاقت المسلمين الويلات وبذلك فقدت شرعيتها فكان عليها أن تتنحى ومن أبى التنحي كان لابد من مقاتلته لأن مصلحة الأمة مقدمة على كل المصالح الضيقة

وبعد عامين من تأسيس الحركة دخل مجاهدوها مدينة كابل

لتدخل بعد ذلك حركة طالبان ومعها أفغانستان في مرحلة جديدة سنتحدث عنها في الفصل القادم إن شاء الله




20201-03-15
كاتب من بيت المقدس


الأربعاء، 10 مارس 2021

 الجهاد الافغاني بين غلو التقديس وغلو التخوين
حقائق غائبة

الحلقة السادسة عشر
الاقتتال بين فصائل المجاهدين

دخل المجاهدون مدينة كابل نهاية شهر نيسان عام ١٩٩٢ بعد أن اقتتلوا على مداخلها كما ذكرنا سابقا والاقتتال بين المسلمين من الامور الموجعة لكل مسلم وهي من الصفحات السوداء في تاريخنا السياسي وهذا الأمر قد حصل عندما كانت أمتنا في حالة القوة والتمكين كما حصل أيضا عندما كنا في مراحل الضعف بل عندما كنا مهددين بالغزو الخارجي وهذا موضوع فيه تفصيل كثير وسنكتفي هنا بالحديث عن أفغانستان حيث تطرقنا سابقا للحديث عن أسباب التشرذم في ساحة الجهاد ولا حاجة لتكرار كل ما ذكرناه سابقا

لقد دخلت الجماعات الإسلامية ساحة الجهاد بصورة متفرقة فكان لكل جماعة زعامتها ورايتها الخاصة بها ولم يعد بالإمكان توحيد تلك الجماعات بعد أن صارت ذات شوكة وقد ذكر الشيخ عبد الله عزام رحمه الله أن فصائل المجاهدين قد اقتتلت فيما بينها عام ٨١ وقد وفق الله الداعية كمال السنانيري(كما ذكرنا سابقا) لوقف ذلك الاقتتال وبمرور الوقت ترسخت الولاءات الحزبية وغيرها من الولاءات الضيقة لدى فصائل الجهاد التي تحولت إلى جماعات مقاتلة تحمل أسماء إسلامية مثل الحزب الإسلامي والجمعية الاسلامية وعلى رأسها زعامات(لا قيادات) ذات طابع قبلي أو عرقي أو غيره أما القواعد فتضم كل من  هب ودب ويذكر الأخ محمود سعيد عزام في كتابه شيخي الذي عرفت أن الشيخ عبد الله عزام سأل حكمتيار عن اغتيال أحد قادته الميدانيين لمجموعة من قادة الجمعية الإسلامية هل له علم بذلك فأجابه بالنفي فقال له الشيخ كيف يحصل ذلك دون علمك فأجابه حكمتيار بأن بعض القبائل عندما تنضم لحزب معين تضع شرطا أن يؤمر عليهم شخصا هم يحددونه وقد يكون هذا الشخص أميا فيضطر الحزب للقبول بهذا الشرط وإلا ستنضم القبيلة لحزب آخر

وهذه الرواية تبين أن فصائل الجهاد كانت تضم في صفوفها بل ويصل إلى سلم القيادة فيها كل من هب ودب وهكذا تصبح الولاءات الضيقة سيدة الموقف

فلا مكان لإخوة العقيدة عند الكثيرين بل إن العقل قد يغيب تماما في كثير من الأحيان فتندلع الخلافات لأتفه الأسباب ويكون الاحتكام إلى السلاح سيد الموقف

لقد سعى الكثير من الدعاة وعلى رأسهم الشيخ عبد الله عزام لجمع فصائل المجاهدين تحت راية واحدة ولكن دون جدوى وكذلك فعل الرئيس الباكستاني ضياء الحق رحمه الله وبمرور الوقت اضطر الجميع للتسليم بالواقع القائم بعد أن يئسوا من توحيد الراية فصاروا يركزون على الهدف الرئيسي وهو محاربة الروس وعملائهم دون الالتفات إلى السلبيات الموجودة في صفوف المجاهدين والتي كان أخطرها تعدد الرايات

وبغياب ضياء الحق والشيخ عبد الله عزام رحمهما الله بات وقوع الفتنة بين فصائل المجاهدين أمرا مؤكدا وهذا ما حذر منه الكثيرون منذ وقت مبكر وهنا لابد لي أن أشير لدراسة كتبها محمد مزمل زمان  وهو أحد الدعاة الأفغان وينتمي لجماعة عبد رب الرسول سياف بعد انسحاب الروس حيث نشر في مجلة الجهاد دراستين الأولى بعنوان كابل تبحث عن الفاتحين خلص فيها إلى حتمية سقوط نظام كابل وفي دراسته الثانية والتي كان عنوانها كابل أدركوها قبل الفتح والتي بين فيها إلى حتمية اقتتال فصائل المجاهدين بعد دخول كابل مبينا جميع الأسباب المؤدية لذلك ومع ذلك لم يستطع أحد تدارك الفتنة لفوات الأوان

وكما ذكرنا سابقا فإن الاقتتال كان بشكل رئيسي بين أكبر فصيلين وهما الجمعية الإسلامية والحزب الإسلامي حيث دخل مقاتلو الجمعية مدينة كابل بقيادة أحمد شاه مسعود والذي اصبح وزيرا للدفاع في الحكومة الجديدة كما صار برهان الدين رباني زعيم الجمعية رئيسا للحكومة الجديدة مما أدى لشعور غلب الدين حكمتيار بالغبن فبادر لقصف مدينة كابل من الجبال المحيطة بها كما حصل اقتتال داخل مدينة كابل بين جماعة سياف(الاتحاد الإسلامي)والرافضة " حزب الوحدة  الإسلامية" وكان هذا الاقتتال مادة للتندر في القنوات الفضائية

لقد أدى هذا الاقتتال لالحاق دمار كبير في المدينة وقتل الآلاف من سكانها كما دمر العديد من المساجد الأثرية أيضا

لقد ظلت كابل آمنة طوال الفترة الماضية لأنها كانت تحت سيطرة الروس وعملائهم فلم تكن ساحة حرب كما كانت الأرياف والمناطق النائية

لقد استغلت إيران النفاق ذلك الاقتتال فقامت بسرقة الكثير من المعدات العسكرية بما فيها الطائرات من منطقة هيرات. كما تفشت زراعة المخدرات وانتشرت عصابات الاجرام وقطاع الطرق فلم يعد أحد من الأفغان يأمن على نفسه وعرضه وماله وهكذا شهدت البلاد موجة جديدة من النزوح الى البلدان المجاورة بدل عودتهم إلى أفغانستان

و هكذا تحول قادة الجهاد إلى امراء حرب فسقطوا معنويا وفقدوا احترامهم لدى مسلمي أفغانستان مما مهد الطريق لظهور حركة طالبان بعد عامين من دخول المجاهدين إلى كابل

وهذا ما سنتحدث عنه في الفصل القادم إن شاء الله.



20201-03-10
كاتب من بيت المقدس