الأحد، 14 مارس 2021

الجهاد الافغاني بين غلو التقديس وغلو التخوين
حقائق غائبة


الحلقة السابعة عشر
نشوء حركة طالبان

كما ذكرنا سابقا فقد أدى اقتتال المجاهدين بعد دخولهم كابل إلى تداعيات خطيرة جعلت الحياة جحيما لا يطاق في معظم المناطق داخل أفغانستان وقبل أن نتحدث عن نشوء حركة طالبان لابد من التذكير ببعض الحقائق التي ذكرنا بعضها فيما سبق

وأول تلك الحقائق أن غياب الرئيس الباكستاني الأسبق ضياء الحق وكذلك الشيخ عبد الله عزام قد أثر سلبا على الجهاد الأفغاني حيث لعب الرجلان دورا لا يمكن انكاره بتخفيف حدة الخلافات بين فصائل المجاهدين ومع ذلك لم يدخر الدعاة من خارج أفغانستان جهدا لوقف الاقتتال بين فصائل المجاهدين لكن تأثيرهم لم يكن كتأثير الشيخ عبد الله عزام(رحمه الله) الذي كان يحظى باحترام كبير عند زعماء المجاهدين لأنه أمضى سنوات من عمره معهم فتعرف عليهم وشاركهم الجهاد في الخطوط الأولى للجبهات لذلك كانوا يعتبرونه واحدا منهم بعكس الآخرين الذين يأتون من البلدان الأخرى ويقضون بعض الوقت في فنادق مدينة بيشاور يلتقون خلالها ببعض الزعامات ليعودوا بعد ذلك إلى بلدانهم وشتان بين رجال الخنادق ونزلاء الفنادق

كذلك سعى بعض القادة الأفغان كالقائد جلال الدين حقاني(رحمه الله) وهو من الذين لم يتورطوا في الاقتتال وكان دائما يسعى للتوفيق بين الفصائل المتناحرة ولكن دون جدوى إذ كانت المشكلة في غاية التعقيد مما جعلها عصية على الحل لتداخل الكثير من العوامل الذاتية وكذلك المؤامرات الخارجية والتي تحدث عنها اللواء حميد جول رئيس الاستخبارات العسكرية الباكستانية السابق(رحمه الله) في مقابلة له مع مجلة المجتمع الكويتية وأكد على أن لديه أدلة على تورط بعض الدول بإذكاء الفتنة بين فصائل المجاهدين لكنه لم يسم دولة بعينها والمتابعون للشأن الأفغاني يعرفون تلك الدول

وكما ذكرنا سابقا فإن أفغانستان تعتبر العمق الاستراتيجي لباكستان والتي من مصلحتها استقرار أفغانستان مع وجود حكومة أفغانية قويه ولا تضمر العداء لإسلام أباد لذا كان الإسلاميون الأفغان الخيار الأفضل لباكستان لبعدهم عن النزعة القومية من جهة ولوجود الترابط الفكري وحتى العضوي بين الإسلاميين في كلا البلدين من جهة أخرى  وهذا الموضوع من الأمور الثابتة في السياسة الباكستانية والتي تدعمها بقوة المؤسسة العسكرية(ذات التأثير في سياسة الحكومة الباكستانية) ويشكل البشتون العمود الفقري للجيش الباكستاني(حيث يشكلون ٤٠ بالمئة من الجيش الباكستاني رغم أنهم لا يشكلون سوى ١٨ بالمئة من مجموع السكان)

وهنا نعود للحديث عن نشأة حركة طالبان

لقد أدت الأوضاع المأساوية التي تحدثنا عنها داخل أفغانستان إلى تذمر شديد عند الغالبية العظمى من الأفغان فصار الجميع متلهفا لكل من يسعى لانتشالهم مما هم فيه

وبذلك صارت الظروف مهيئة لظهور طالبان أما كيف تشكلت الحركة فهناك من يقول أن المخابرات الباكستانية بادرت إلى تأسيسها وهذا ما يتبناه المناوئون للحركة من الأفغان وهناك من يتحدث عن اجتماع عدد من قادة الجهاد السابقين من بينهم الملا جلال الدين حقاني(رحمه الله)ومعهم عدد من طلبة العلوم الشرعية و الذين اتخذوا قرارهم بتأسيس الحركة وانطلقوا من مدينة قندهار حيث كانت معظم مناطق أفغانستان تعاني فراغا أمنيا ولا سيطرة لحكومة كابل عليها إنما تخضع لسيطرة القادة المحليين وبذلك تمكنت الحركة من السيطرة بسرعة فائقة على مناطق شاسعة في جنوب وشرق أفغانستان حيث يتركز البشتون وخاصة أنصار الحزب الإسلامي الذي يتزعمه غلب الدين حكمتيار والحزب الإسلامي الذي يتزعمه الملا يونس خالص(رحمه الله) حيث انضم قسم كبير من عناصر الحزبين  للحركة دون مواجهات تذكر خاصة جماعة يونس خالص حيث أن الملا حقاني كان أكبر القادة الميدانيين في هذه الجماعة وعندها بادرت الحكومة الباكستانية لاحتضان الحركة ظنا منهم أن بإمكانهم التحكم بحركة طالبان مستقبلا وهذا ما أثبتت الأحداث فيما بعد عدم صحته

لقد نجحت الحركة بتحقيق الأمن في المناطق التي سيطرت عليها فقامت بمكافحة كل أشكال الجريمة بكل حزم وبذلك شعر الناس بالأمان وبذلك اكتسبت طالبان الشرعية وباشرت بتوسيع مناطق نفوذها حيث بدأ الكثير من المخلصين بالانضمام للحركة

طواعية ومن أبى ذلك كان لابد من مقاتلته إذ أن القيادات السابقة قد أثبتت فشلها وأذاقت المسلمين الويلات وبذلك فقدت شرعيتها فكان عليها أن تتنحى ومن أبى التنحي كان لابد من مقاتلته لأن مصلحة الأمة مقدمة على كل المصالح الضيقة

وبعد عامين من تأسيس الحركة دخل مجاهدوها مدينة كابل

لتدخل بعد ذلك حركة طالبان ومعها أفغانستان في مرحلة جديدة سنتحدث عنها في الفصل القادم إن شاء الله




20201-03-15
كاتب من بيت المقدس


الأربعاء، 10 مارس 2021

 الجهاد الافغاني بين غلو التقديس وغلو التخوين
حقائق غائبة

الحلقة السادسة عشر
الاقتتال بين فصائل المجاهدين

دخل المجاهدون مدينة كابل نهاية شهر نيسان عام ١٩٩٢ بعد أن اقتتلوا على مداخلها كما ذكرنا سابقا والاقتتال بين المسلمين من الامور الموجعة لكل مسلم وهي من الصفحات السوداء في تاريخنا السياسي وهذا الأمر قد حصل عندما كانت أمتنا في حالة القوة والتمكين كما حصل أيضا عندما كنا في مراحل الضعف بل عندما كنا مهددين بالغزو الخارجي وهذا موضوع فيه تفصيل كثير وسنكتفي هنا بالحديث عن أفغانستان حيث تطرقنا سابقا للحديث عن أسباب التشرذم في ساحة الجهاد ولا حاجة لتكرار كل ما ذكرناه سابقا

لقد دخلت الجماعات الإسلامية ساحة الجهاد بصورة متفرقة فكان لكل جماعة زعامتها ورايتها الخاصة بها ولم يعد بالإمكان توحيد تلك الجماعات بعد أن صارت ذات شوكة وقد ذكر الشيخ عبد الله عزام رحمه الله أن فصائل المجاهدين قد اقتتلت فيما بينها عام ٨١ وقد وفق الله الداعية كمال السنانيري(كما ذكرنا سابقا) لوقف ذلك الاقتتال وبمرور الوقت ترسخت الولاءات الحزبية وغيرها من الولاءات الضيقة لدى فصائل الجهاد التي تحولت إلى جماعات مقاتلة تحمل أسماء إسلامية مثل الحزب الإسلامي والجمعية الاسلامية وعلى رأسها زعامات(لا قيادات) ذات طابع قبلي أو عرقي أو غيره أما القواعد فتضم كل من  هب ودب ويذكر الأخ محمود سعيد عزام في كتابه شيخي الذي عرفت أن الشيخ عبد الله عزام سأل حكمتيار عن اغتيال أحد قادته الميدانيين لمجموعة من قادة الجمعية الإسلامية هل له علم بذلك فأجابه بالنفي فقال له الشيخ كيف يحصل ذلك دون علمك فأجابه حكمتيار بأن بعض القبائل عندما تنضم لحزب معين تضع شرطا أن يؤمر عليهم شخصا هم يحددونه وقد يكون هذا الشخص أميا فيضطر الحزب للقبول بهذا الشرط وإلا ستنضم القبيلة لحزب آخر

وهذه الرواية تبين أن فصائل الجهاد كانت تضم في صفوفها بل ويصل إلى سلم القيادة فيها كل من هب ودب وهكذا تصبح الولاءات الضيقة سيدة الموقف

فلا مكان لإخوة العقيدة عند الكثيرين بل إن العقل قد يغيب تماما في كثير من الأحيان فتندلع الخلافات لأتفه الأسباب ويكون الاحتكام إلى السلاح سيد الموقف

لقد سعى الكثير من الدعاة وعلى رأسهم الشيخ عبد الله عزام لجمع فصائل المجاهدين تحت راية واحدة ولكن دون جدوى وكذلك فعل الرئيس الباكستاني ضياء الحق رحمه الله وبمرور الوقت اضطر الجميع للتسليم بالواقع القائم بعد أن يئسوا من توحيد الراية فصاروا يركزون على الهدف الرئيسي وهو محاربة الروس وعملائهم دون الالتفات إلى السلبيات الموجودة في صفوف المجاهدين والتي كان أخطرها تعدد الرايات

وبغياب ضياء الحق والشيخ عبد الله عزام رحمهما الله بات وقوع الفتنة بين فصائل المجاهدين أمرا مؤكدا وهذا ما حذر منه الكثيرون منذ وقت مبكر وهنا لابد لي أن أشير لدراسة كتبها محمد مزمل زمان  وهو أحد الدعاة الأفغان وينتمي لجماعة عبد رب الرسول سياف بعد انسحاب الروس حيث نشر في مجلة الجهاد دراستين الأولى بعنوان كابل تبحث عن الفاتحين خلص فيها إلى حتمية سقوط نظام كابل وفي دراسته الثانية والتي كان عنوانها كابل أدركوها قبل الفتح والتي بين فيها إلى حتمية اقتتال فصائل المجاهدين بعد دخول كابل مبينا جميع الأسباب المؤدية لذلك ومع ذلك لم يستطع أحد تدارك الفتنة لفوات الأوان

وكما ذكرنا سابقا فإن الاقتتال كان بشكل رئيسي بين أكبر فصيلين وهما الجمعية الإسلامية والحزب الإسلامي حيث دخل مقاتلو الجمعية مدينة كابل بقيادة أحمد شاه مسعود والذي اصبح وزيرا للدفاع في الحكومة الجديدة كما صار برهان الدين رباني زعيم الجمعية رئيسا للحكومة الجديدة مما أدى لشعور غلب الدين حكمتيار بالغبن فبادر لقصف مدينة كابل من الجبال المحيطة بها كما حصل اقتتال داخل مدينة كابل بين جماعة سياف(الاتحاد الإسلامي)والرافضة " حزب الوحدة  الإسلامية" وكان هذا الاقتتال مادة للتندر في القنوات الفضائية

لقد أدى هذا الاقتتال لالحاق دمار كبير في المدينة وقتل الآلاف من سكانها كما دمر العديد من المساجد الأثرية أيضا

لقد ظلت كابل آمنة طوال الفترة الماضية لأنها كانت تحت سيطرة الروس وعملائهم فلم تكن ساحة حرب كما كانت الأرياف والمناطق النائية

لقد استغلت إيران النفاق ذلك الاقتتال فقامت بسرقة الكثير من المعدات العسكرية بما فيها الطائرات من منطقة هيرات. كما تفشت زراعة المخدرات وانتشرت عصابات الاجرام وقطاع الطرق فلم يعد أحد من الأفغان يأمن على نفسه وعرضه وماله وهكذا شهدت البلاد موجة جديدة من النزوح الى البلدان المجاورة بدل عودتهم إلى أفغانستان

و هكذا تحول قادة الجهاد إلى امراء حرب فسقطوا معنويا وفقدوا احترامهم لدى مسلمي أفغانستان مما مهد الطريق لظهور حركة طالبان بعد عامين من دخول المجاهدين إلى كابل

وهذا ما سنتحدث عنه في الفصل القادم إن شاء الله.



20201-03-10
كاتب من بيت المقدس


السبت، 6 مارس 2021

 الجهاد الافغاني بين غلو التقديس وغلو التخوين
حقائق غائبة

الحلقة الخامسة عشر
الطريق إلى كابل

كما ذكرنا سابقا فقد أتم الروس انسحابهم من أفغانستان ربيع عام ٨٩ بعد أن تركوا خلفهم ترسانة كبيرة من السلاح مع جيش عرمرم من القوات النظامية والأجهزة الأمنية والميليشيات الموالية للنظام

ظن كثيرون أن نظام كابل سيسقط بمجرد انسحاب الروس لكن الواقع أثبت عكس ذلك إذ استطاع نظام كابل الصمود ثلاث سنوات بعد انسحاب الروس وهذا الأمر له أسباب عدة

أولها كما ذكرنا تفوق الجيش الأفغاني من ناحية العدد والعدة وحتى من ناحية تكتيكات المعارك حيث كان الروس وعملاؤهم يقاتلون بطريقة مدروسة بعكس فصائل المجاهدين التي كانت تقاتل بصورة غير مدروسة وأحيانا بصورة عبثية وقد شاهدت بأم عيني أثناء زيارتي لأحد جبهات القتال كيفية تموضع المجاهدين بطريقة عشوائية تشبه معسكرات الكشافة أو معسكرات الجيوش في حالات السلم أي أن الإنسان لا يشعر أنه في جبهة قتال يمكن أن يتعرض للقصف في أية لحظة

كما سألني الاخوة عما إذا كنت أرغب بإطلاق الصواريخ باتجاه الأعداء وقد وقفت أمام راجمة الصواريخ ومع ذلك فقد رفضت الضغط على الزر المخصص لذلك طالبا منهم ألا يضيعوا الذخيرة عبثا بلا هدف محدد ومدروس كمهاجمة أحد المواقع مثلا وقد قرأت في أحد دوريات المجاهدين في حينها عن عمليات إضاعة الذخيرة عبثا فعلمت أن ما رأيته لم يكن حالة استثنائية

٢- تورط جميع رموز نظام كابل بمن فيهم ضباط الجيش وقادة الميليشيات بالجرائم التي وقعت أثناء الاحتلال الروسي فكان عليهم القتال حتى النهاية لأنهم سيتعرضون للقتل إذا وقعوا بأيدي المجاهدين رغم اعلان المجاهدين العفو عن كل من يتخلى عن نظام كابل ومع ذلك فقد تمسك الكثيرون بمواقعهم وظلوا يقاتلون طوال هذه السنوات

٣- ومن الأسباب أيضا تفرق صف المجاهدين وعدم وجود التنسيق فيما بينهم وهذا ما سنتحدث عنه لاحقا إن شاء الله

٤- انتقال المجاهدين من مرحلة حرب الاستنزاف إلى مرحلة تحرير المدن التي تختلف تماما عما سبقها إضافة لما يتطلبه تحرير المدن من أسلحة ثقيلة وجيوش نظامية لا تتوفر لدى فصائل المجاهدين كما أن الروس قد حصنوا المدن الرئيسية بخطوط دفاع قوية قبل انسحابهم مما صعب المهمة على المجاهدين وقد شاهدت بأم عيني محاولة المجاهدين تحرير مدينة جلال أباد في ربيع عام ٨٩ والتي كلفت المجاهدين الكثير دون تحقيق أي تقدم مما أرغمهم في التخلي عن هذا الهدف

٥- كانت معظم المدن تكتظ بالأهالي لأنها كانت مناطق آمنة لا تتعرض للقصف من قبل الروس وعملائهم لأنها تحت سيطرتهم وهذا أيضا مما صعب على المجاهدين عملهم

٦- حقول الألغام الكثيرة التي زرعها الروس وعملاؤهم حول المواقع العسكرية والتي أوقعت ألاف الضحايا في صفوف الأفغان وقد ذكرت سابقا أن الروس سلموا مسؤولي الأمم المتحدة خرائط بألفي حقل للألغام

وعلى أية حال سنكتفي بالحديث عن هذا الموضوع بصورة مجملة

في هذه الأثناء لجأ النظام لاستعمال كل ما لديه من أسلحة حيث بالغ باستعمال صواريخ سكود التي بحوزته ومع ذلك لم يحرز أي انجاز يستحق الذكر

إذ تابع المجاهدون عملهم في الأطراف باستنزاف القوات الحكومية واستمرت عمليات فرار الجنود وحتى كبار الضباط لأن غالبيتهم كانوا مقتنعين باستحالة هزيمة المجاهدين رغم كل ما ذكرناه سابقا

ومهما يكن من أمر فقد سقط الاتحاد السوفييتي نهاية عام ٩١ وانشغل العالم وخاصة الدول الغربية بتداعيات ذلك الحدث كما انكشفت جميع الأنظمة التي كانت تعتمد عليه لأن روسيا الاتحادية التي ورثت تركة الاتحاد السوفييتي كانت تعاني من أزمة اقتصادية طاحنة جعلت الروس يتخلون عن جميع أتباعهم ومن بينهم نظام كابل مما أثر على معنويات كبار ضباط الجيش وقادة الميليشيات الذين سارع بعضهم بالانشقاق عن نظام كابل ومنهم عبد الرشيد دوستم قائد الميلشيات الأوزبكية مما سهل على المجاهدين دخول كابل رغم اقتتالهم على أبوابها وهنا دخلت قضية المسلمين في أفغانستان في أخطر مراحلها حيث كان الاقتتال بين فصائل المجاهدين سيد الموقف

وهذا ما سنتحدث عنه في الفصل القادم إن شاء الله


20201-03-06
كاتب من بيت المقدس




الاثنين، 1 مارس 2021

الجهاد الافغاني بين غلو التقديس و غلو التخوين

حقائق غائبة 

الحلقة الرابعة عشر 

أهم الأحداث في عقد التسعينات
كما ذكرنا سابقا فقد انتهى عقد الثمانينات باغتيال رئيس باكستان ضياء الحق رحمه الله وانسحاب الروس من أفغانستان واغتيال الشيخ عبدالله عزام رحمه الله ودخل عقد التسعينات الذي كان حافلا بالكثير من الأحداث الجسيمة التي أثرت على أمتنا وعلى الجهاد الأفغاني بشكل خاص وهنا  لابد من نظرة سريعة على تلك الأحداث انطلاقا من النظرة الشمولية التي تعتمد على ترابط جميع قضايا المسلمين ببعضها
١-حرب الخليج الثانية
بدأ هذا العقد باجتياح العراق للكويت وهذا الحدث أدى لشرخ كبير في النظام  الرسمي العربي حيث وقفت بعض الدول العربية مع الحل الأمريكي للأزمة بتأييدها استدعاء القوات الأمريكية ومن تحالف معها إلى جزيرة العرب بحجة"تحرير الكويت" والذي كانت نتيجته تدمير العراق والكويت ومحاصرة العراق ثم احتلاله من قبل الأمريكان وتقديمه إلى إيران فيما بعد
وفي الطرف المقابل وقفت بعض الدول العربية ضد الحل الأمريكي للأزمة ولم يكن لموقفها أي تأثير في مجريات الأحداث
في ساحة العمل الإسلامي تماهت مواقف بعض الجماعات الإسلامية مع مواقف الحكومات في هذا البلد أوذاك ولم يكن لجميع فصائل العمل الإسلامي( رغم ثقلها الكمي) أي تأثير في مجريات الأحداث
في تلك الأثناء دعا أمير الجماعة الإسلامية في باكستان القاضي حسين أحمد رحمه الله إلى مؤتمر حضره عدد كبير من قيادا ت فصائل العمل الإسلامي في مختلف البلدان ومن بينهم بعض قادة الجهاد الأفغاني وأدان الحاضرون الحرب الأمريكية على العراق بل ذهبوا لأبعد من ذلك بأن نزعوا الشرعية عن جميع  الحكومات "الإسلامية" المشاركة في تلك الحرب.ولاننسى هنا المواقف الجريئة لبعض الدعاة الذين وقفوا ضد استدعاء القوات الصليبية إلى جزيرة العرب وبينوا الحكم الشرعي في هذه المسألة وخطورة تلك الحرب على حاضر الأمة ومستقبلها
هناك أظهرالأمريكيون ومن يدور في فلكهم  عداءهم الصريح للجماعات الإسلامية والذي لم يكن واضحا في العقد السابق وطفا على السطح مصطلحات جديدة مثل التشدد والتطرف والإسلام السياسي والعنف........الخ وهنا بدأ التمايز في الصف الإسلامي تتضح معالمه فظهر من يسعى لمجاملة الآخرين بحجة الواقعية ومقاصد الشريعة مع المبالغة في استعمال بعض الكلمات  كالوسطية كرد فعل على كلمة التشدد والتطرف وهنا بدأ  بعض الإسلاميين تحت ضغط الواقع بالعمل على مجاملة الآخرين  ولو على حساب ثوابت الدين وبرز في الطرف المقابل من يؤكد على صورة الإسلام الذي ارتضاه الله لعباده
٢- مؤتمر مدريد
وكان من تداعيات حرب الخليج الثانية انطلاق ما سمي بمحادثات السلام بين الكيان اليهودي والحكومات العربية في مدريد وما تبعها من محادثات في أوسلو بين "منظمة التحرير الفلسطينية"والكيان اليهودي والتي أدت لما سمي بالحكم الذاتي في الضفة الغربية وقطاع عزة وهكذا انفتح الباب أمام التطبيع بين الأنظمة العربية والكيان اليهودي مما أدى لقيام بعض المعارضين للتطبيع للتجمع في محاولة لعرقلة عملية التطبيع فعقدت المؤتمرات وصدرت البيانات وتسابق البعض للمزايدة في هذا المجال حيث دخل على خط: مقاومة التطبيع "الرافضة والنصيريون ومختلف الأحزاب العلمانية(بعثيون ناصريون قوميون .....)كما دخل بعض النصارى(الأنبا شنودة زعيم أقباط مصر وكذلك نصر الله صفير زعيم المارونيين في لبنان )على نفس الخط ولكل طرف أهدافه ونواياه الخاصة
وبالطبع دخل بعض الإسلاميين في نفس المسار مع الآخرين مما أدى الى المزيد من حالة الضبابية والميوعة في المفاهيم داخل الساحة الإسلامية ولعل أخطرهأ تشويش عقيدة الولاء والبراء في أذهان بعض المسلمين
٣-أحداث الجزائر
وفي بداية العقد نجحت الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الانتخابات التي جرت هناك بداية العقد فقام العسكر الموالون لفرنسا بانقلاب عسكري اندلعت بعده مواجهة مسلحة بين الإسلاميين والحكومة الجزائرية ارتكب فيها أنصار فرنسا جرائم تقشعر منها الأبدان ضد المسلمين هناك وانتهت تلك الجولة ببقاء أنصار فرنسا في سدة الحكم
هنا ظهرت المواقف المتناقضة لبعض الإسلاميين الذين أيدوا الجهاد ضد حكومة كابل الشيوعية كما أيدوا محاربة النظام العراقي في حرب الخليج الثانية بينما وقفوا ضد اسلاميي الجزائر في مواجهتهم مع العسكر الذين انقلبوا على خيار المسلمين هناك بحجة عصمة دماء المسلمين وأدت هذه التناقضات المخجلة عند بعض الدعاة والعلماء إلى سقوط هيبتهم عند قطاع كبير من المسلمين مما أفقد الأمة المرجعية التي يجب احترامها
٤- كما ظهرت في مصر الجماعة الإسلامية التي تبنت خيار الجهاد ضد نظام حسني مبارك والتي تمكن النظام المصري من اخمادها
٥-بروز ظاهرة الجهاد العالمي
وهذا ماسنتحدث عنه لاحقا إن شاء الله بشيء من التفصيل



20201-02-28
كاتب من بيت المقدس


الثلاثاء، 23 فبراير 2021

الجهاد الافغاني بين غلو التقديس وغلو التخوين
حقائق غائبة 


الحلقة الثالثة عشر الجزء الثاني
الشيخ عبد الله عزام رحمه الله

لا يستطيع أي دارس للتجربة الأفغانية أن يتجاهل هذا الرجل لا لدوره المميز في القضية بل للأثر الذي تركه من بعده ونسأل الله أن يجعل ذلك في ميزان حسناته. وهنا لابد لنا من لمحة مختصرة عن خلفية الشيخ نبني عليها ما بعدها

ولد الشيخ في سيلة الحارثية التابعة لمدينة جنين في الضفة الغربية لنهر الأردن عام ١٩٤١ وأتم دراسته فيها ثم تخرج من كلية الشريعة في جامعة دمشق عام ١٩٦٦ وكان قد التحق بجماعة الإخوان المسلمين قبل ذلك وفي عام ٦٧  احتل الكيان اليهودي الضفة الغربية فانتقل الشيخ إلى شرق الأردن ليلتحق بمعسكر الشيوخ التابع لمنظمة فتح الذي تجمع فيه الشباب المسلم الراغب بالجهاد ضد الكيان اليهودي وبقي هناك حتى أيلول عام ١٩٧٠ عندما اندلعت الاشتباكات بين "فصائل المقاومة" والجيش ”الأردني" حيث وقف الإسلاميون على الحياد في تلك الحرب وأثناء هذه  الفترة حصل على درجة الماجستير من جامعة الأزهر ثم حصل على الدكتوراة بعد ذلك وعمل أستاذا في الجامعة الأردنية وصدر قرار بفصله من التدريس وتم تخييره بين العودة للعمل على ألا يتكلم في أمور السياسة ولكنه ترك العمل وانتقل للعمل في جامعة الملك عبد العزيز في جدة في بداية الثمانينات والتي عمل فيها ثلاثة فصول دراسية لينتقل

بعد ذلك إلى إسلام أباد ليعمل في الجامعة الإسلامية هنآك ومنها انتقل إلى مدينة بيشاور الباكستانية ليبدأ رحلته  التي ترك فيها أثرا تاريخيا له ما بعده

ب -التحاقه بالجهاد الأفغاني

نلاحظ مما سبق أن الشيخ قد جمع عدة مزايا تؤهله ليكون رجل المرحلة فهو يحمل مؤهلا في العلم الشرعي كما يحمل التفكير الحركي ذو البعد العالمي بسبب انضمامه للإخوان المسلمين كما أخذ السلفية من خلال احتكاكه بعلماء الجزيرة العربية يضاف إلى ذلك ممارسته الفعلية في ساحة الجهاد ضد العدو اليهودي فاذا أضفنا إلى ذلك شعوره الدائم بالظلم الذي يتعرض له المسلمون في شتى بقاع الأرض كيف لا وهو أحد ضحايا ذلك الظلم لأن بلده(بيت المقدس) بات مغتصبا من الكيان اليهودي كل ذلك أثر على تفكيره  مما جعله يقدم طرحا مميزا في الفكر الإسلامي المعاصر لذلك يعتبره الكثيرون الأب الروحي لظاهرة الجهاد العالمي التي فرضت نفسها فيما بعد لذلك وجد في الجهاد الأفغاني فرصته المناسبة لممارسة فريضة الجهاد التي كان تواقا لها بعد أن تعذر عليه ممارستها في بيت المقدس ولإيمانه بأن جراح المسلمين واحدة سواء أكانت في بيت المقدس أو أفغانستان أو غيرها لذلك لعب الشيخ دورا مهما بعد انتقاله إلى بيشاور حيث كان صلة الوصل بين الأفغان واخوانهم العرب إضافة للمشاريع الكثيرة التي أسسها وسنكتفي بذكر بعضها وأولها مكتب خدمات المجاهدين إضافة لمجلة الجهاد التي كان يبث من خلالها طروحاته وكذلك قام بتأسيس العديد من المدارس والمشاريع التعليمية في المنطقة الحدودية وداخل أفغانستان ومن أراد معرفة المزيد فيمكنه الرجوع لكتاب شيخي الذي عرفت وموسوعة الذخائر وهي موجودة الكترونيا ولعل أخطر الأعمال التي قام بها طروحاته المميزة التي كان يركز فيها على فرضية الجهاد في عصرنا الحاضر والذي سماه بالفريضة الغائبة وكذلك تأكيده على ضرورة استعادة الخلافة الإسلامية والتي سماها المنارة المفقودة وكان يؤكد دائما على أن تحقيق هذا الهدف لم ولن يتم إلا بالجهاد

والعمل الثاني الذي أداه والذي لا يقل خطورة عما سبق هو سعيه الدؤوب للتوفيق بين فصائل المجاهدين الأفغان وقد دفع حياته ومعه أثنين من أبنائه ثمنا لذلك

ج-اغتيال الشيخ عبد الله عزام

لقد حرص أعداء امتنا على تفرقة صفوف المجاهدين حتى لا يتحقق الهدف النهائي للجهاد وهو اقامة حكم الله في الأرض اضافة لتوهين عزيمة الأمة وابعادها عن طريق الجهاد وذلك بتشويه صورة المجاهدين الذين يتقاتلون فيما بينهم وهذا ما حصل بالفعل لذلك حرص الشيخ عبد الله عزام ومعه المخلصون من أبناء الأمة على وحدة الكلمة ونزع فتيل الصراع في كل مرة يحصل فيها الاقتتال بين الفصائل وهذا الأمر لم يرق لأعداء الأمة الذين كانوا يرصدون جميع تحركاته وآخر ما قام به في هذا المجال هو محاولته جمع غلب الدين حكمتيار(زعيم الحزب الإسلامي)وأحمد شاه مسعود(من الجمعية الإسلامية) وقد تكبد عناء السفر مع حكمتيار إلى وادي بنشير وأثناء تلك الرحلة قام أحد قادة الحزب الإسلامي بفتل عدد من قادة الجمعية الإسلامية فرجع حكمتيار من تلك الرحلة وتابع الشيخ السفر حيث التقى بأحمد شاه مسعود وأخذ منه تعهدا بأن يقتصر على القصاص من القاتل دون غيره وقال له أحمد مسعود بأنه على استعداد للموافقة على أية ترتيبات يقترحها الشيخ مع حكمتيار وهذا ما ذكره الشيخ في أكثر من مناسبة بعد ذلك وقد قرأت ذلك في نشرة صدى الجهاد التي صدرت في تلك الفترة

هناك اصيب الأمريكيون بالجنون حيث قالت مسؤولة الملف الأفغاني في القنصلية الأمريكية في بيشاور بأننا لن نسمح لأحد أن يتدخل بالوضع السياسي في أفغانستان أي بتعبير آخر لا يريدون أي محاولة لتوحيد الفصائل الأفغانية وخاصة الحزب الإسلامي والجمعية الإسلامية لأن ذلك يخرب خططهم المستقبلية

بعد ذلك أصبح اغتيال الشيخ رحمه الله أمرا ملحا وقد جرت المحاولة الأولى لاغتياله بوضع قنبلة تحت المنبر الذي كان يخطب فيه يوم الجمعة لكن الله سلمه من تلك المحاولة حيث اكتشفت القنبلة وتم تفكيكها وبعد اسبوعين كانت المحاولة الثانية حيث تم زرع قنبلة يتم التحكم بها عن بعد بأحد قنوات الصرف الصحي قرب المسجد الذي يؤدي فيه صلاة الجمعة وتم تفجيرها عند مرور سيارة الشيخ فقتل مع أثنين من أبنائه رحمهم الله جميعا

ورغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على تلك الجريمة فإن السلطات الباكستانية لم تفصح عن هوية الجناة بل إن مدير شرطة بيشاور في تلك الفترة قد صرح في مقابلة له مع مجلة الجهاد بأن الافصاح عن هوية الجناة يخص القيادة السياسية وليس من اختصاص أجهزة الأمن وهكذا غاب الشيخ عبد الله عزام رحمه الله عن ساحة الجهاد الأفغاني وترك ثغرة لم يستطع أحد سدها



20201-02-20
كاتب من بيت المقدس


الجمعة، 19 فبراير 2021

 

الجهاد الافغاني بين غلو التقديس وغلو التخوين
حقائق غائبة

الحلقة الثالثة عشر الجزء الأول

المؤمرات العالمية على الجهاد الأفغاني

مع وصول كورباتشوف إلى الكرملين أيقن الأمريكيون أن انسحاب الروس من أفغانستان بات مسألة وقت حيث أن  خسائر  الروس كانت تزداد بمرور الوقت وكان الأمريكيون يعلمون حجم تلك الخسائر لذلك عملوا على إطالة أمد الحرب لإيقاع أكبر قدر من الخسائر في طرفي الصراع بغية تحقيق هدفهم الاستراتيجي باسقاط الإتحاد السوفييتي وايقاع أكبر قدر من الخسائر بالمسلمين ظنا منهم أن ذلك يدمر أو يعرقل الصحوة الإسلامية التي أطلت برأسها في تلك الفترة  لذلك منعوا إيصال السلاح الفعال وخاصة الصواريخ المضادة للطائرات للأفغان وسمحوا بإيصال ٦٥٠ من صواريخ

ستيلنغر  المحمولة على الكتف عام ٨٨ عندما أيقنوا ان الحرب قد انتهت بهزيمة الروس ولم يكن لتلك الصواريخ أي تأثير في الحرب بل إن قسما منها لم يستخدم وعمل الأمريكان جاهدين لاستعادتها بعد سقوط نظام كابل وقد شاهدت بأم عيني أحد تلك الصواريخ داخل احدى سيارات الجيب التابعة للجمعية الإسلامية أي لم يكن محمولا بوضعية قتالية فكان وجوده لهدف استعراضي فقط كما لم أجد تلك الصواريخ في الجبهات التي زرتها وقد روج الأمريكيون ومن يدور في فلكهم بعد ذلك بأن المجاهدين فد تمكنوا من هزيمة الروس بسبب صواريخ ستيلنغر ويردد هذه المقولة بعض المخلصين من الإسلاميين الذين يجهلون هذه التفاصيل

التي تحدثنا عنها سابقا ولعل غاية الأمريكيين من ارسال تلك الصواريخ تشويه صورة الجهاد الأفغاني عند

المسلمين أو اقناع عامة المسلمين بأنه لا يمكنهم الاعتماد على الذات بعد التوكل على الله بل لابد من مساعدة الآخرين كما سعى الأمريكيون لإقناع المسلمين بعمالة المجاهدين الأفغان لهم ومن أجل ذلك استدرجوا وفدا من زعماء الجهاد لمقابلة الرئيس الأمريكي رونالد ريغن في البيت الأبيض وهذا أمر مخالف لأعراف السياسة الأمريكية حيث أن الرئيس الأمريكي لا يستقبل غير رؤساء الدول ومثل هؤلاء الناس يقابلون ضباطا في المخابرات الأمريكية فقط. وقد سلطت وسائل الاعلام الضوء على تلك المقابلة حيث امتدح ريغن الأفغان بعبارات رنانة وقد حذر الشيخ عبدالله عزام رحمه الله من كيد الأمريكيين في أكثر من مناسبة ومما أذكره مقالة له في مجلة الجهاد حول هذا الموضوع بعنوان أمريكا وتجارة الدماء كما انتقد تلك الزيارة المشؤومة واستدل بأقوال لعجوز السياسة الأمريكية الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون الذي طالب أثناء زيارته لباكستان في تلك الأثناء بتعاون أمريكا والاتحاد السوفيتي ضد الخطر الإسلامي القادم

ولم يتوقف الأمر عند هذا الأمر بل إن أمريكا مارست ضغوطا على باكستان لتقييد حركة الشيخ عبد الله عزام رحمه الله كما سعت لمنع تدفق الشباب العربي إلى أفغانستان وهذا ما ذكره الشيخ عبد الله رحمه الله وبالفعل فقد قامت سفارات باكستان بتعقيد إجراءات الحصول على تأشيرات السفر وهذا ما حصل معي شخصيا وقد تمكنت من الحصول على "الفيزا" بعد تزكية من لجنة أفغانستان السويدية وهي منظمة سويدية كانت تعمل في أفغانستان في تلك الأثناء كما حرصت أمريكا ومن يدور في فلكها على تكريس التفرقة بين الفصائل الأفغانية من خلال تقديم الدعم المادي لكل فصيل على حدا وحاربت بقوة كل محاولة للتقريب بين الفصائل القائمة فتم تصفية الشيخ كمال السنانيري رحمه الله في سجون السادات عام ٨١ بعد عودته من باكستان بسبب نجاحه بوقف الاقتتال الذي نشب بين الفصائل الأفغانية في تلك الفترة كما اغتيل الرئيس الباكستاني ضياء الحق(رحمه الله)مع ٢٨ من كبار ضباطه بحادث تحطم طائرة عسكرية وذلك في صيف عام ٨٨  وقتل معه السفير الأمريكي في باكستان والذي حرص ضياء الحق على اصطحابه لأنه كان لديه قناعة بأنه بات رأسه مطلوبا للأمريكيين بسبب موقفه من الجهاد الأفغاني ومن الملف النووي .كما أغتيل الشيخ عبد الله عزام في العام التالي لنفس السبب وهذا ما سنتطرق إليه بشيء من

التفصيل لاحقا إن شاء الله. كما أوقعت مخابرات إحدى الدول العربية الاقتتال بين الحزب الإسلامي وجماعة الدعوة إلى الكتاب والسنة في منطقة كونر واغتالت الشيخ جميل الرحمن رحمه الله في صيف عام ١٩٩١

وهكذا تكرست الخلافات بين الفصائل الأفغانية لتقع الفتنة الكبرى بعد دخول كابل

وقبل أن نختم هذا الفصل لابد لي أن أشير إلى معلومة سمعتها من مدير لجنة أفغانستان السويدية في بيشاور بداية عام ٨٩ حيث قال لي بأن الروس قدموا إلى مسؤولين كبار

في الأمم المتحدة خرائط لألفي حقل ألغام زرعوها في أفغانستان ولم يعرف الأفغان شيئا عن تلك الخرائط وقد دفعوا ثمن ذلك عشرات الآلاف من الضحايا وماتزال مناطق كثيرة من أفغانستان مزروعة بتلك الألغام التي تحصد المزيد من الضحايا وهذا يؤكد صحة هذه المعلومة

ونفس الأمر حصل في الصحراء الغربية في مصر أثناء الحرب العالمية الثانية حيث زرع الإنكليز والألمان ملايين الألغام ولم يقدموا أية معلومات عنها لحكومات مصر المتعاقبة وكانت النتيجة ألاف الضحايا وهذا يبين موقف أهل الكفر على اختلاف مللهم ونحلهم من أمة الإسلام فالعداء تاريخي والحرب مستمرة بكل أشكالها(ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا)



20201-02-19
كاتب من بيت المقدس


الخميس، 18 فبراير 2021

 الجهاد الافغاني بين غلو التقديس و غلو التخوين

حقائق غائبة


الحلقة الثانية عشر الجزء الثاني

كما أسلفنا فقد وصل إلى سدة الحكم عام ١٩٨٥ ميخائيل كورباتشوف والذي كان عليه مواجهة الكثير من المشكلات وكانت حرب أفغانستان أكثرها إلحاحا

لقد أيقن كورباتشوف استحالة الانتصار في تلك الحرب لذلك فكر بالانسحاب من أفغانستان فصدرت عنه التصريحات التي أشرنا إليها سابقا لكنه توسع بالعمليات العسكريه وهذا ما أشار إليه الشيخ عبد الله عزام(رحمه الله) في مقال افتتاحي لمجلة الجهاد  في ذلك العام حيث كان عنوان الافتتاحية الآن حمي الوطيس حيث شن الروس وعملاؤهم هجمات واسعة في عدد كبير من الجبهات مستخدمين كافة الأسلحة وتوسعوا باستخدام الطيران والصواريخ بعيدة المدى واستعملوا لأول مرة قوات الكوماندوس(الوحدات الخاصة) لمهاجمة مواقع المجاهدين في أعالي الجبال لكن تلك الهجمات باءت بالفشل ومني الروس بخسائر فادحة في الأرواح والعتاد هناك لجأ الروس للمكر والخديعة فأعلنوا استعدادهم للانسحاب من أفغانستان وعينوا عميلهم محمد نجيب الله رئيسا للبلاد بدل بابرك كارمال

لقد عمل نجيب الله في السنوات السابقة رئيسا لجهاز المخابرات(خاد)وكان الروس راضين عن أدائه لذلك وجدوه مناسبا لتلك المرحلة التي تميزت بالمؤامرات والدسائس على جميع الأصعدة

بدأ نجيب الله بإطلاق المبادرات التي تهدف لاستمالة الشعب فأعلن عن العفو عمن سماهم"الاخوة الغضاب" يعني المجاهدين والذين كان يسميهم قبل ذلك بالأشرار

كما بدأ بمراسلة بعض زعماء القبائل وحتى بعض قادة الجهاد ومنهم القائد الميداني الملا جلال الدين حقاني(حفظه الله) والذي كان يجيبه في كل مرة بجملة مختصرة(لا نجاة لك إلا بالإسلام) 

كما قام بتغييرات شكلية بدستور الدولة بحيث توحي لعامة الناس أن حكومة أفغانستان إسلامية كما غير اسم المخابرات(خاد)الذي كان اسمها يثير الرعب عند الناس فصار الاسم الجديد وزارة استعلاماتي دولتي(واد) 

إما على الصعيد العسكري فقد ازدادت خسائر الروس وعملائهم خاصة بعد أن نجح المجاهدون بالتعامل مع الحوامات كما أسلفنا وقد شاهدت بأم عيني الآليات المدمرة أو المعطوبة خلال زيارتي لأفغانستان كما شاهدت أكواما من الخردة في الجانب الباكستاني عند معبر الحدود مع أفغانستان كما شاهدت الأفغان ينقلون قطع الآليات المدمرة التي يستطيعون تحميلها على الدواب متجهين نحو معبر الحدود لبيعها للباكستانيين

هناك بدأ الروس بالتفاوض مع قادة المجاهدين وأعلنوا نيتهم الانسحاب وبالفعل فقد سحب الروس وحدات الدفاع الجوي المرافقة لقواتهم عام ٨٦ ثم  قاموا بسحب بقية قواتهم في عامي ٨٨ و٨٩ حيث أتم الروس انسحابهم في ربيع ذلك العام لكنهم واصلوا دعمهم لنظام كابل الذي استطاع الصمود ثلاث سنوات أخرى عندما دخل المجاهدون كابل عام ١٩٩٢ وقد تميزت هذه الفترة بكثرة المؤامرات على الجهاد الأفغاني وهذا ما سنتحدث عنه في الفصل القادم  إن شاء الله



20201-02-17
كاتب من بيت المقدس