الخميس، 29 سبتمبر 2022

الجهاد الافغاني بين غلو التقديس وغلو التخوين

حقائق غائبة


الجزء الخامس والعشرون

الآثار السلبية البعيدة للغزو الصليبي لأفغانستان

تحدثنا في الفصول الماضية عن التداعيات الآنية لغزو أفغانستان ومنها دخول الأمريكيين في مواجهة مباشرة مع المسلمين بل إن الإسلام صار مستهدفا على جميع الأصعدة بدعوى تجفيف منابع الإرهاب فحوربت كل المؤسسات والجمعيات الإسلامية وحتى النشاطات العلمية البحتة  قد حوربت فطردت الحكومات كل طلبة العلم الوافدين للدراسة في كليات الشريعة والمعاهد الشرعية في بعض البلدان العربية(كجامعة الأزهر) وهنا فتحت إيران  النفاق أبواب حوزاتها لاستقبال أولئك الطلبة وهكذا فتح  الباب أمام نشر التشيع في مختلف بلدان العالم الإسلامي

 كما خضعت حكومات العالم الإسلامي للإملاءات الأمريكية فصارت تتسابق لإرضاء العم سام فأوقفت الجمعيات الخيرية جميع نشاطاتها وحورب الإسلاميون على اختلاف توجهاتهم وظهرت عبودية حكومات العالم الإسلامي بصورة جلية فصار لزاما عليها إيجاد ما تستر به سوءاتها هنا جاء دور علماء السوء الذين بالغوا في تلمس الأعذار  والتخذيل عن ”ولاة الأمر" فظهرت فتاوى وآراء في غاية التناقض والإسفاف ليس لها أي سند شرعي  أو حتى سند وضعي وكلها تزكي أفعال "ولاة الأمر" مع اضفاء الشرعية على كل أقوالهم وأفعالهم مع المبالغة في الحديث عن طاعة ”ولاة الأمر ”والتشنيع على كل الدعاة والمصلحين  الذين لهم رؤية مخالفة

وقد جمع الأخ الدكتور أكرم حجازي (في نهاية العشرية الأولى من هذا القرن) مجموعة من تلك الآراء والفتاوى فوجد فيها تناقضات ما أنزل الله بها من سلطان وشبهها بطبيخ النور (مع تشديد النون المفتوحة) الذين يذهبون لتسول الطعام في وعاء كبير يخلطون فيه أنواع كثيرة من الأطعمة مع بعضها لتكون النتيجة الحصول على طعام غير مستساغ ولا يصلح للآدميين

وكمثال على ذلك، الفتوى التي جعلت من الحاكم الأمريكي للعراق بريمر وليا للأمر والذي تجرأ بعض أهل العلم بالرد عليه لأن بريمر غير مسلم

أما معمر القذافي فكان له شأن آخر حيث صدرت فتاوى بتكفيره في ثمانينات القرن الماضي لما صدر عنه من أقوال لم يعلن تراجعه عنها ومع ذلك فقد قام بدعوة عدد من الدعاة من مختلف البلدان (نهاية العشرية الأولى من هذا القرن) والذين زكوا أعماله وبالغوا في مدحه والثناء عليه رغم أن بعضهم من تلامذة العلماء الذين كفروه ولم يتراجعوا عن فتواهم بتكفيره.  لم يتجرأ أحد بالرد على الذين مدحوا القذافي لأنه من "ولاة الأمر" بل إن الأمر وصل بأحد الدعاة أن يسعى لمقابلة بشار الأسد ليبرأه من كل جرائم أبيه الهالك ويثنى عليه

 بل وصل الأمر بإحدهم أن يقول أن حاكم بلده من اكثر الناس ثقافة وأنه قرأ ١٢٠ الف كتاب

 هكذا تناسى حكام العرب خلافاتهم وتوحدوا لمحاربة” الإرهاب فلم يعد مسموحا لأي داعية انتقاد أي من "ولاة الأمر" الذين صار تقديسهم واجبا شرعيا عند أولئك بل وصل الإسفاف عند أحدهم عندما قال "إذا خرج ولي الأمر على التلفاز يزني ويشرب الخمر  نصف ساعة فلا تنكر عليه إلا إذا كنت أمامه!!! أما إذا كنت خلفه فلا 

 والمقطع موجود بالصوت والصورة في الانترنيت لمن أراد التحقق منه

 كما بالغ أولئك في الإنكار على من يكفر أيا من الناس حتى ولو صدر عنه ما يثبت كفره وهنا دخلت كلمة التكفيريين قاموس بعض الدعاة وكذلك كلمة الخوارج والتي باتت من أكثر الكلمات استعمالا وفي غاية الإسفاف والابتذال كما بالغ الكثيرون  بمجاملة الغرب وذلك بتقديم الطروحات الخالية من أي شكل من أشكال العنف والمبالغة في الحديث عن الحكمة واللين والوسطية "وقبول الآخر ”مع التشنيع على التيارات الجهادية ذات البعد العالمي مع وصمها بكل الأوصاف السيئة مثل التطرف والتشدد والإرهاب والغلو والتكفيريين والظلاميين والخوارج....وغيرها وذهب آخرون لأبعد من ذلك فأبدوا استعدادهم للتعاون مع أجهزة الأمن في بلادهم لمحاربة من يسموهم بالغلاة والخوارج وهذا ما حصل بالفعل بل إن بعضهم قد تعاون مع أعداء الأمة في محاربة "الإرهاب 

وبالطبع فلكل فعل لابد من ردة فعل في الاتجاه المعاكس

فقد أدت التصرفات السابقة من الحكومات ومن بعض الإسلاميين إلى ردود أفعال مختلفة بعضها كان منضبطا من الناحية الشرعية وأخرى على النقيض من ذلك

وهنا أصبح فقه " الحاكم المتغلب" وعدم الخروج على "ولاة الأمر” موضع تساؤل حول مدى شرعية تلك القاعدة وقد ناقشها البعض بصورة منضبطة وآخرون فعلوا عكس ذلك فراحوا ينقضون دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله حتى أن بعضهم وصف تلك الدعوة بأنها لا تصلح لهذا العصر وآخرون بالغوا في نقدها ووصفوها بالظلامية وكذلك نقدوا ابن تيمية رحمه الله وبصورة غير منضبطة فيها الكثير من المغالطات. وصلت حد الزندقة فوصل الأمر ببعض السفهاء حد التطاول على الصحابة الكرام حتى أن أحد المحسوبين على الإسلاميين وصف سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه "بالخبيث والمنافق" (والعياذ بالله) وهنا لابد من التذكير بأن صورة العلماء قد اهتزت منذ حرب الخليج الثانية وجاءت نازلة عام ٢٠٠١ لتزيد الصورة قتامة لما أسلفنا

في هذه الفترة أصدرت مؤسسة راند الأمريكية العديد من الدراسات حول الأساليب التي يجب على صناع القرار اتباعها في محاربة دين الله ولعل أخطرها تلك التي تتحدث عن استغلال الخلافات الفكرية والمنهجية بين مختلف العاملين في ساحة العمل الإسلامي لضربهم ببعضهم وقد انساق البعض في هذا الإتجاه ووقعوا في هذا الفخ

كل ذلك وغيره كان من الآثار السلبية لتلك النازلة التي زلت بها أقدام الكثيرين وثبت الله سبحانه وتعالى أقدام الذين اختصهم من عباده

وأما النتائج الإيجابية فسنتحدث عنها في الفصل القادم إن شاء الله تبارك وتعالى



2022-09-29
كاتب من بيت المقدس

الجمعة، 16 سبتمبر 2022

الجهاد الافغاني بين غلو التقديس وغلو التخوين

حقائق غائبة

الجزء الرابع والعشرون

تداعيات الغزو الصليبي لأفغانستان

كما ذكرنا في الفصل السابق فقد توالى سيطرة تحالف الشمال على المدن الأفغانية واستمر الصليبيون في قصفهم لجبال تورا بورا لمدة ١٢ يوما وانتهى القصف يوم ١٧ كانون الأول من عام ٢٠٠١ وفي تلك الفترة حوصر عدة مئات من المجاهدين في مدينة قندز شمال أفغانستان ليقعوا بعد ذلك أسرى فتم نقلهم بحاويات الى قلعة جانجي وقد توفي الكثيرون منهم في الطريق ومن نجا منهم فقد قاموا بالتمرد داخل السجن يوم ٢٥ تشرين ثان ولم يتمكن حراس السجن من السيطرة على التمرد فاستدعوا الطيران الصليبي الذي قصف القلعة فقتل الجميع أي السجناء مع الحراس

وقد ارتكب أولئك المجرمون الكثير من جرائم القتل والسلب والاغتصاب في المدن التي دخلوها ففي مدينة مزار شريف قتلت جماعة المجرم عبد الرشيد دوستم المئات ورموا جثث القتلى بأماكن متفرقة عثرت عليها الفرق التابعة للصليب الأحمر وتم دفنها دون أية ضجة أوأي تحقيق

وأما في مدينة كابل فقد ارتكب المجرمون عمليات اغتصاب وتم توثيق ٧٠٠ حالة مما جعل أحد زعماء البشتون القوميين بأن يدين تلك الجرائم كما أبدى استعداده للتعاون مع حركة طالبان ضد تحالف الشمال رغم أنه من المعارضين لحركة طالبان

كما تم في تلك الأثناء اعتقال عدد كبير من الشباب العربي العاملين في مجال الإغاثة والإعلام وتم تسليمهم للأمريكيين على أنهم من تنظيم القاعدة مقابل حفنة من الدولارات ليتم بعد ذلك نقلهم مع غيرهم إلى سجن غوانتانامو (سيء الصيت) بصورة مهينة لتثبت التحقيقات أن الغالبية العظمى منهم لا علاقة لهم بالقاعدة أو طالبان

لقد كانت تلك النازلة زلزالا شديدا ثبت الله به المؤمنين الصادقين وزلت به أقدام الآخرين الذين يتحدثون دائما عن الحكمة والوسطية والمصالح والمفاسد ومقاصد الشريعة

وأغرب ما بدر من هؤلاء الفتوى التي أحازت لجنود المسلمين في الجيش الأمريكي المشاركة في غزو أفغانستان وقد وقع على تلك” الفتوى" الشيخ يوسف القرضاوي والدكتور محمد هيثم الخياط ومحمد سليم العوا والصحفي محمد فهمي هويدي والمستشار طارق البشري وكانت حجة هؤلاء أن عدم مشاركة الجنود المسلمين في تلك الحملة سيؤدي للشك بولائهم لبلدهم الذي يعيشون فيه وقد وصف الدكتور طه جاسم علوان مدير معهد الفكر الإسلامي في أمريكا تلك "الفتوى” بالبيان السياسي رغم أنه هو من استفتى الشيخ يوسف القرضاوي في هذه المسألة

كما بادر أولئك المقاصديون للحديث عن تهور الشباب المسلم والمغامرات غير المحسوبة كما وصفوا ما جرى في أفغانستان بالمحرقة للشباب العربي كل ذلك كان واضحا في المقالات التي كتبها أولئك المرجفون في مواقع الانترنيت وخاصة موقع islam online

وعلى النقيض من ذلك فقد وصف آخرون تأثير تلك الأحداث بأنها قد حركت المياه الراكدة في ساحات العمل الإسلامي لما أحدثته من أفعال وما طرحته من أفكار جديدة تجاوزت ما كان قائما قبلها حيث أحيت عقيدة الولاء والبراء التي أراد أصحاب الطروحات المهادنة (داخل الصف الإسلامي) إماتتها بعد تمييعها بمسميات ما أنزل الله بها من سلطان كما رفعت الروح المعنوية لدى أبناء الأمة كما أشرنا سابقا

وظهرت في تلك الفترة أهمية الانترنيت التي أتاحت ظهور الكثير من الطروحات العميقة كما فضحت آخرين ممن يتصدرون المشهد منذ عقود لما أظهروه من سطحية وسذاجة في تعاملهم مع تلك النازلة وبات واضحا منذ ذلك الحين أن الواقع قد تجاوزهم وظهر فشلهم بصورة واضحة جلية بعد عقد من الزمن أي بعد أحداث ما سمي بالربيع العربي وهذا موضوع آخر لسنا بصدد الحديث عنه هنا انما سنتحدث عنه في الفصل القادم إن شاء الله


ومن التداعيات أيضا الانبطاح الشديد الذي أبدته حكومات العالم الإسلامي حيث بات خضوعها التام لسيدهم في "البيت الأبيض" واضحا جليا (إلا لأولئك الذين استمرؤوا العبودية لغير الله سبحانه وتعالى) فظهرت الوثنية السياسية والتي أطلت برأسها قبل عقد من تلك النازلة وبالتحديد منذ ما سمي بحرب الخليج الثانية حيث صارت طاعة "ولاة الأمر" القضية المحورية عند بعض أدعياء السلفية

وفي المقابل ظهر مصطلح الأنظمة الوظيفية حيث أصبحت الحكومات في العالم الإسلامي مجرد أدوات تنفيذ لمخططات أعداء الأمة في جميع المجالات العسكرية والأمنية والتعليمية والإعلامية وحتى الأعمال الخيرية والدعوية باتت خاضعة بصورة مباشرة لإملاءات الأمريكان بدعوى تجفيف منابع الارهاب وقد كشفت السنوات اللاحقة أن الأمريكيين قد أرسلوا بعض المعتقلين إلى دول عربية(سوريا مصر الأردن ليبيا المغرب)للتحقيق حيث أن الأمريكيين لم يستطيعوا انتزاع أية اعترافات منهم بطرقهم الخاصة فلجؤوا لعبيدهم ليؤدوا هذه المهمة بالطرق القذرة(التعذيب الجسدي) والتي يتجنبها الأمريكيون والأوروبيون وحتى اليهود لأسباب لسنا بصدد الحديث عنها

وقبل أن نختتم هذا الفصل لابد من الإشارة إلى المقابلة التي أجراها(عبر الأنترنيت) الإعلامي في قناة الجزيرة أحمد منصور مع عبد رب الرسول سياف يوم دخوله كابل والتي بدا فيها ذلك الرجل على حقيقته عندما تكلم بعنجهية كما راوغ بالإجابة على الأسئلة المطروحة فأنكر تحالفه مع عبد الرشيد دوستم كما أنكر الغزو الأمريكي ووصف حكم طالبان بالكابوس الذي انزاح عن بلده وهاجم الشباب العربي كما هاجم قناة الجزيرة لتغطيتها الأخبار في تلك الفترة حيث غطت الأحداث بموضوعية ونقلت الأخبار بمهنية من خلال مراسلها تيسير علوني مما أغضب جماعة تحالف الشمال وزاد من حقدهم على الشباب العربي

وبدا أحمد منصور بموضع المدافع الضعيف

وهنا لابد لنا من الإشارة إلى أن قطر دولة وظيفية شأنها بذلك شأن بقية الحكومات في دول العالم الإسلامي لكن المطلوب من قطر هو البقاء في المنطقة الرمادية مع أداء بعض الأدوار التي تخدع الكثيرين وبذلك تتمكن من أداء مهمتها الأساسية بتسميم العقول وتحقيق الاختراق الفكري في العمل الإسلامي وهذا موضوع آخر فيه تفصيل كثير لا يمكننا الالمام به في هذه العجالة وما قامت وما تقوم به قناة الجزيرة يندرج ضمن هذا الدور المناط بحكومة قطر

هذه هي أهم التداعيات الناشئة عن أحداث الحادي عشر من أيلول وما تلاها من الغزو الصليبي لأفغانستان  أما الآثار البعيدة  لتلك التداعيات فسنتاولها في الفصل القادم إن شاء الله

2022-09-16
كاتب من بيت المقدس

الجمعة، 14 يناير 2022

الجهاد الافغاني بين غلو التقديس وغلو التخوين
حقائق غائبة

  الفصل الثالث والعشرون
الجزء الثاني

مسار العمليات داخل الساحة الأفغانية

لقد شكلت أحداث الحادي عشر من أيلول ارباكا كبيرا للأمريكيين الذين كانوا يعدون لغزو أفغانستان والعراق بهدوء وبعيدا عن الأضواء بمعنى أنهم كانوا يطبخون المؤامرة على نار هادئة(كما يقال)

والآن فقد وجد الأمريكيون أنفسهم مرغمين على الدخول في تلك الحرب قبل الاستعداد التام لها بل إن الكثير من العمليات قد تم التخطيط لها على عجل مما جعلها متعثرة في بداياتها رغم العون الذي حصلوا عليه من الدول ذات العلاقة بالشأن الأفغاني وخاصة باكستان وإيران إضافة لبلدان الجزيرة العربية والروس وبلدان وسط آسيا ومع ذلك فقد واجه الأمريكيون معضلة كبيرة مع الحاضنة الاجتماعية لحركة طالبان أي قبائل البشتون والتي تشكل أكبر مجموعة عرقية في أفغانستان مع وجود امتداد لها داخل باكستان لذلك ركز الأمريكيون عبر  مخابرات الدول المتعاونة معهم العمل أولا على محاولة شق صفوف حركة طالبان وقد باءت تلك المحاولات بالفشل حيث بقيت الحركة متماسكة تقارع الأمريكيين على مدى عقدين من الزمن

وبالتوازي مع ذلك تركز العمل على استمالة بعض قبائل البشتون وينقل الصحفي محمد فهمي هويدي عن حكمتيار أن حامد كرزاي قد زاره في مقر اقامته في إيران محاولا أقناعه بالتعاون معه ضد طالبان لكن حكمتيار رفض ذلك وبعد ذلك دخل كرزاي إلى أفغانستان ونجح باستمالة بعض القبائل البشتونية وقبله فشلت محاولة للمخابرات الباكستانية بإدخال أحد قادة الجهاد السابقين واسمه عبد الحق والذي دخل أفغانستان من الحدود الباكستانية ونجحت طالبان بكشف تلك المؤامرة وألقت القبض عليه وقتلته بعد اسبوعين من بدء الغزو الأمريكي

وأما بخصوص المناوشات مع تحالف الشمال فقد كانت السيطرة على المناطق تتم أحيانا من قبل التحالف لتقوم طالبان باستعادتها بعد مدة واستمرت الأمور على هذا المنوال عدة أسابيع كانت خلالها الطائرات الأمريكية تتابع غاراتها على أفغانستان وخاصة على جبال تورا بورا حيث استعمل الأمريكيون كل مايملكونه في ترساناتهم واستخدموا لأول مرة القنابل العملاقة التي تزن سبعة أطنان كما استخدموا قاذفات القنابل من طراز ب ٥٢  ومع ذلك لم يحرزوا أي تقدم يستحق الذكر وخلال هذه الفترة وصل لحركة طالبان آلاف المجاهدين من باكستان

وأخيرا قدم رافضة إيران الخطة التي أنقذت الأمريكان من مأزقهم حيث قدموا خرائط مفصلة عن خطوط الدفاع لحركة طالبان فقام الأمريكيون بتركيز القصف عليها بينما يقوم تحالف الشمال بالهجوم البري على تلك الجبهات واختراقها وبالتالي السيطرة على المدن وخاصة في شمال أفغانستان حيث تتواجد الحاضنة الاجتماعية لذلك التحالف

وهكذا صارت المدن الرئيسية في الشمال والغرب تقع في أيدي ذلك التحالف ففي التاسع من تشرين الثاني دخل مقاتلوا التحالف مزار شريف وبعد ذلك بأربعة أيام دخلوا مدينة كابل أما مدينة قندهار  فقد سقطت يوم ٦ كانون الأول بعد تفاهمات بين قبائل البشتون الموالية للغزو الأمريكي وحركة طالبان فخرح الملا عمر رحمه الله من المدينة مع بعض قادة الحركة وعدد من المجاهدين حيث قرر قادة الجهاد إخلاء المدن والانحياز إلى المناطق النائية والتحصن في الجبال استعدادا للمرحلة التالية من الحرب والتي بدأت بعد أن حط الصليبيون رحالهم هناك وهكذا تنفس الصليبيون والمنافقون الصعداء وأظهروا فرحتهم بما حصل ظنا منهم أنهم قد حسموا المعركة لصالحهم وصارت قنوات النفاق الفضائية كقناة "المنار"تتحدث عن "ملاحقة القوات الأمريكية لفلول طالبان والقاعدة"وأبدى الكفار والمنافقون شماتتهم لما أصاب الثلة المؤمنة في أفغانستان والتي سنتحدث عنها في الفصل القادم إن شاء الله



2022-01-14
كاتب من بيت المقدس

الاثنين، 26 يوليو 2021

الجهاد الافغاني بين غلو التقديس وغلو التخوين

حقائق غائبة 

الفصل الثاني والعشرون
الجزء الأول
الغزو الصليبي لأفغانستان

وهكذا بدأ الغزو الصليبي لأفغانستان يوم السابع من شهر تشرين الأول عام ٢٠٠١ كما ذكرنا سابقا حيث نجح الأمريكيون بتشكيل تحالف يضم أربعين دولة وفي مقدمتهم أعضاء حلف شمال الأطلسي الذي ينص ميثاقه على مشاركة جميع أعضائه بالدفاع عن أي عضويتعرض لاعتداء خارجي

وقبل الحديث عن ذلك الغزو لابد لنا أن نشير إلى الحرب النفسية التي مارسها الأمريكيون في تلك الأثناء حيث لم تتوقف التهديدات بالحرب والقبض على الفاعلين ومن يأويهم وتقديمهم للمحاكمة فكان رد الملا عمر محمد(رحمه الله) إن الأمريكيين يستطيعون بدء الحرب ولكنهم لايملكون وقفها إنما سيجبرهم الأفغان على وقف الحرب والخروج من أفغانستان

وعندما بدأ الأمريكيون غاراتهم على أفغانستان قال الملا عمر محمد(رحمه الله) كلمته التي سيسجلها التاريخ إن الله سبحانه وتعالى وعدنا بالنصر ووعدنا بوش بالهزيمة ونحن نثق بوعد الله ولا نثق بوعد بوش وهذا ماحصل بعد ذلك كما سنرى لاحقا إن شاء الله

ثمة أمر آخر  لابد من الإشارة إليه وهو تحذير الكثيرين للإدارة الأمريكية من خطورة الوقوع في المستنقع الأفغاني حيث كانت أفغانستان عبر التاريخ مقبرة الغزاة وهذه من الحقائق الثابتة. ومن بين الذين حذروا الأمريكيين بعض كبار العسكريين الروس الذين شاركوا في الغزو الروسي في ثمانينيات القرن الماضي حتى أن بعضهم قال إن حرب فيتنام ستكون بمثابة نزهة مقارنة بما سيواجه الأمريكيين في أفغانستان حتى أن بعض المفكرين الأمريكيين وصف تأييد بعض الدول للأمريكيين بالنفاق السياسي الذي يهدف لجر الأمريكان إلى المستنقع الأفغاني فتفقد بذلك أمريكا هيبتها وسطوتها لكن الأمريكيين لم يكترثوا لكل ذلك للأسباب التي ذكرناها سابقا

ومهما يكن من أمر فسنتحدث عن هذا الموضوع بصورة مجملة مع التركيز على الحقائق المغيبة لأسباب سنذكرها في الخاتمة إن شاء الله

لقد فتحت كل الدول المحيطة بأفغانستان أجواءها للطائرات الأمريكية التي انطلقت من قاعدة أنجرليك التركية وكذلك من بلدان الجزيرة العربية وحاملات الطائرات في المحيط الهندي والخليج العربي لتعبر الأجواء الباكستانية والإيرانية فتلقي بحممها على الأراضي الأفغانية بصورة جنونية تعبر عن اللؤم والتجبر فقتل نتيجة ذلك آلاف الأطفال والنساء والشيوخ ولم يلتفت الأمريكيون لأي اعتبار فقصفوا كل مكان بما في ذلك العديد من المساجد أثناء أداء الصلوات بحجة وجود بعض قادة طالبان أوالقاعدة بين المصلين وكمثال على ذلك تدمير أحد المساجد في ولاية بكتيا أثناء أداء المسلمين صلاة التراويح بهدف قتل الملا جلال الدين حقاني (رحمه الله) والذي لم يكن موجودا حينها وبالطبع فإن مثل هذه العمليات كانت تتم بارشاد من الخونة الذين كانوا يلقون الشرائح الألكترونية التي توجه الطائرات الأمريكية إلى الأماكن المستهدفة ونتج عن ذلك نزوح مئات الآلاف من ديارهم إلى باكستان وإيران اللتان أغلقتا حدودهما في وجوههم كما مات الكثيرون نتيجة الجوع والمرض والبرد وقد أدانت بعض المنظمات الدولية تلك الجرائم وبالطبع لا تأثير لتلك الإدانات لما يجري على الأرض

لم يكتف الأمريكان بالغارات الجوية واستخدام الصواريخ بعيدة المدى بل أرسلوا وحدات عسكرية من القوات الخاصة والتي بدأت عملها بالتنسيق مع تحالف الشمال كما قاموا بالأعمال الاستخبارية بهدف شق صفوف حركة طالبان واستمالة بعض القبائل الأفغانية للعمل معهم ضد حكومة طالبان وبالطبع كان هذا العمل يتم بالتعاون مع المخابرات الباكستانية ومخابرات الدول العربية التي ساهمت في الحرب ضد الإتحاد السوفييتي في ثمانينيات القرن الماضي(بايعاز من الأمريكيين كما أسلفنا) وهنا لابد لنا من التوقف قليلا للحديث عن مواقف مختلف الأطراف في  افغانستان من الغزو الصليبي لبلادهم

فتحالف الشمال رحبوا بذلك الغزو حيث وجدوا فيه فرصتهم المناسبة لازاحة حكومة طالبان وبالتالي العودة إلى كابل بعد أن فشلوا فيما مضى رغم كل الدعم الذي تلقوه من مختلف الدول كما أسلفنا وقد أصر زعماؤهم على ذلك الموقف رغم مطالبة العديد من الزعامات الأفغانية بتناسي الخلافات الجانبية والتوحد لمواجهة الغزو الصليبي وكان من الذين طالبوا بذلك زعيم الحزب الإسلامي غلب الدين حكمتيار الذي كان موجودا في أيران حينها لكن جماعة التحالف لم يكترثوا بتلك الدعوات بل راحوا ينسقون مع الغزاة فسقطوا مرة أخرى بل وقعوا في أحد نواقض الإسلام عندما أعانوا الكفار على إخوانهم في العقيدة وبالطبع فنحن  لانتحدث هنا عن فلول الشيوعيين كعبد الرشيد دوستم والعلمانيين والرافضة الذين انخرطوا في ذلك التحالف فهم خارج الملة  ولكننا نعني المحسوبين على الإسلاميين وبالتحديد عبد رب الرسول سياف وبرهان الدين رباني وهما عضوان في التنظيم العالمي للإخوان المسلمين و بالطبع لم يصدر عن تلك الجماعة أية إدانة لذلك العمل الشنيع بل التزمت تلك الجماعة الصمت التام على تلك الخيانة(ماعدا مواقف بعض المحسوبين على الجماعة الذين أدانوا تلك الخيانة) بل إن مجلة رسالة الاخوان قد أثنت على سياف ورباني فيما بعد عندما حصدوا بعض الأصوات في الانتخابات الهزلية في أفغانستان بعد عدة سنوات من العزو الصليبي في وقت كان المسلمون منشغلون بقضية الأخت وفاء قسطنطين في مصر التي هداها الله إلى الإسلام واختطفتها الكنيسة القبطية هي وأخواتها فيما بعد ولم تتعرض تلك الجماعة للحديث عن هذه القضية حتى ولو من باب التلميح وهذا قرأته في تلك النشرة والتي كانت تصلني في تلك الأثناء

وأما حكمتيار فقد وقف ضد ذلك الغزو منذ اللحظة الأولى بل ذهب لأبعد من ذلك عندما سلم مجاهدي طالبان مستودعات الأسلحة التي يحتفظ بها حزبه داخل أفغانستان وكان بين تلك الأسلحة ١٢ صاروخا أمريكيا مضادا للطائرات من طراز ستيلنجر وقد أثنى الملا عمر محمد على ذلك الموقف المشرف في بيان أصدره في تلك الأثناء  وصف فيه حكمتيار بالمجاهد الكبير

وهكذا كانت أحداث الحادي عشر من أيلول بداية التمحيص داخل الصف الإسلامي  والتي توالت فصولها فيما بعد

أما حركة طالبان فقد بايع مجاهدوها الملا عمر على الجهاد حتى النصر أو الشهادة

أما كيف جرت المعارك داخل أفغانستان فهذا ماسنتحدث عنه في الفصول القادمة إن شاء الله



2021-07-26
كاتب من بيت المقدس


الخميس، 1 يوليو 2021

الجهاد الافغاني بين غلو التقديس وغلو التخوين

حقائق غائبة  


الفصل الحادي والعشرون
الجزء الثالث
الامارة الاسلامية تواجه امتحانا عسيرا

 لم تتوقف مؤمرات أعداء الإسلام لحظة واحدة منذ قيام إمارة أفغانستان الاسلامية حيث كانت الكثير من الدول تقدم كل أشكال الدعم لتحالف الشمال المعادي والذين ارتضوا التعاون مع مجوس الهند والصليبيين والرافضة اضافة لفلول الشيوعيين في الداخل كل ذلك كان يتم خلف الكواليس وحتى في العلن في معظم الأحيان وجاءت أحداث الحادي عشر لتجعل العالم كله يعلن عداءه الصريح للامارة الفتية ولينضم إلى صفوف الأعداء الذين كانوا يعترفون بالامارة الاسلامية ويقيمون معها علاقات دبلوماسية وتجارية مثل باكستان والامارات وقبل ذلك قطعت حكومة الرياض علاقاتها بافغانستان

على أية حال اجتمع مجلس الامن في اليوم التالي لتلك الأحداث واتخذ قرارا بالاجماع بادانة ذلك العمل وبضرورة معاقبة "الجناة"ومن يأويهم أويساعدهم وتم اتخاذ القرار وفق البند السابع من ميثاق "الأمم المتحدة" أي أن القرار يخول أمريكا حق استخدام القوة لتنفيذه وهكذا بدأت الضغوط تزداد على قيادة طالبان ولم يكن أمامهم سوى تسليم الفاعلين أومواجهة الحرب وهنا أثبت الملا عمر محمد (رحمه الله) أنه من أصحاب العزيمة إذ قال كلمته المشهورة إن ديننا لايسمح لنا بتسليم من التجأ إلينا من المسلمين إلى الكفار وهذه تعادل تنازلنا عن الصلاة أي بتعبير آخر أن هذا العمل يعني الخروج من ملة الإسلام عندها وفي يوم ٢٠ أيلول اجتمع عدد كبير من علماء أفغانستان (وقدرت المصادر عددهم بخمسة آلاف حسب ماورد في ذلك الوقت لكن الروايات الموجودة حاليا تقدر عددهم بألف عالم) واتخذ الحاضرون قرارا بتخيير بن لادن بين البقاء في أفغانستان أو الخروج منها حيث يشاء

وهنا بدأت الضغوط على الإمارة الإسلامية تزداد من قبل جميع الأطراف وعلى رأسهم باكستان التي أرسلت الوفود إلى قندهار مطالبة قادة طالبان بتسليم بن لادن ولكن لم تفلح جميع هذه المحاولات بثني قادة طالبان وعلى رأسهم الملا عمر محمد (رحمه الله) عن رفضهم المطلق لهذا الأمر إنما طالبوا الأمريكيين بتقديم الأدلة التي تدين المتهمين لمحاكمتهم في أفغانستان من قبل محكمة تشارك فيها بعض الدول الإسلامية وبالطبع لم يكن ذلك ليرضي غرور الأمريكيين في ذلك الوقت الذي تعرضوا فيه للإهانة وهم في قمة التجبر والعلو في الأرض فكان ردهم الرفض الكامل لأي اقتراح تقدمه قيادة طالبان بل إن المسؤولين الأمريكيين كانوا يبدون احتقارهم لقادة طالبان الذين أظهروا رباطة جأشهم امام تلك المحن التي تزلزل الجبال الراسيات ولم يكترثوا بجميع التهديدات التي كانت تصدر عن المسؤولين الأمريكيين وأما الفاعلون فقد أصروا على نفي علاقتهم بذلك الحادث

وهكذا ذهب الأمريكيون للتحضير للحرب منذ اليوم الأول لذلك الحدث بل إن المعلومات التي رشحت فيما بعد أكدت عزم الأمريكيين غزو أفغانستان والعراق قبل وقوع أحداث الحادي عشر من أيلول فجاءت تلك الأحداث لتسرع مما كانوا يخططون له

وهكذا بدأ الغزو الصليبي لأفغانستان يوم الأحد السابع من تشرين الأول أي بعد أقل من شهر على أحداث الحادي عشر من أيلول حيث بدأ الأمريكيون هجومهم بامطار المدن الأفغانية (وخاصة كابل وقندهار) بوابل من الصواريخ كما بدأت الطائرات الأمريكية تشن غاراتها على أفغانستان لتبدأ بعد ذلك الحرب الصليبية على أفغانستان والتي استمرت لمدة ثمانية عشر عاما وانتهت بهزيمة الأمريكيين وهذا ماسنتحدث عنه لاحقا إن شاء الله


2021-07-01
كاتب من بيت المقدس


الأربعاء، 9 يونيو 2021

الجهاد الافغاني بين غلو التقديس وغلو التخوين

حقائق غائبة 


الفصل الحادي والعشرون
الجزء الثاني

تداعيات أحداث الحادي عشر من أيلول

كما ذكرنا فيما سبق قد حزم الأمريكيون أمرهم على معاقبة الفاعلين الحقيقين ولكي نعرف كيف ولماذا فعلوا ذلك وتأثير ذلك على أفغانستان لابد لنا من التعريج على تداعيات ذلك الحدث على الأمريكيين ومعهم العالم الغربي أولا ثم المسلمين ثانيا وأخيرا على بقية دول العالم ثالثا

فالأمريكان تعرضوا لإهانة كبيرة تفوق هزيمتهم المخزية في حرب فيتنام وقل مثل ذلك عن العالم الغربي الذي تقوده أمريكا خاصة وأن ذلك الحدث قد وقع في وقت كان فيه هؤلاء( العالم الغربي بقيادة أمريكا)  يعيشون نشوة انتصارهم في حرب الخليج الثانية وسقوط الاتحاد السوفييتي وانتصارهم في الحرب الباردة عام ١٩٩١ كما وصل في ذلك الوقت (نهاية عام ٢٠٠٠)إلى البيت الأبيض جورج بوش الابن الذي ينتمي للجناح الأكثر إجراما في الحزب الجمهوري و يتبنى سياسة مفرطة في العداء للمسلمين بصورة فجة وفي غاية الوقاحة والغطرسة بعكس الحزب الديموقراطي الذي يتبنى سياسة أقل فجاجة لكنها تتصف بالخبث والدهاء

وعلى أية حال كان الساسة الأمريكيون على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم الحزبية يتصرفون بمنتهى الصلافة والتجبر بتعاملاتهم مع الآخرين وخاصة المسلمين وقد شاهد العالم أجمع مندوبة أمريكا في الأمم المتحدة مادلين أولبرايت والتي صارت فيما بعد وزيرة للخارجية(وهي يهودية من الحزب الديموقراطي) كيف كانت تتكلم بمنتهى الغطرسة والعنجهية عند مناقشة المواضيع التي تخص المسلمين في مجلس الأمن كالحصار الجائر على العراق في تسعينات القرن الماضي

جاءت أحداث أيلول في هذه الأجواء المشحونة بكل معاني التجبر والعلو في الأرض مع وجود أكثر الساسة إجراما في سدة الحكم خاصة وأن تأثيرات ذلك الحدث لم تقتصر على

الخسارة البشرية(أكثر من ثلاثة آلاف قتيل في يوم واحد) وكذلك الخسارة المعنوية الباهظة كما ذكرنا إضافة للخسائر المادية التي كانت أكثر فداحة وهي تعادل مجموع الخسائر الاقتصادية في الحرب العالمية الثانية إذ بلغت خسارة أمريكا في ذلك اليوم مبلغا قدره ٢ تريليون دولار (حسب محمد حسنين هيكل) نتيجة لانهيار البورصة والذي أدى بعد ذلك لانهيار عدد كبير من الشركات العملاقة مما ضاعف من الخسائر المادية

لذلك جاء رد فعل الأمريكيين عنيفا  باعلان "الحرب العالمية على الارهاب" وقال بوش كلمته المشهورة من ليس معنا فهو ضدنا خاصة بعد أن أخذت أمريكا تفويضا من" مجلس الأمن" بشن تلك الحرب والتي سماها بوش الابن بالحرب الصليبية ومن يجرؤ حينها أن يعترض على أمريكا "سيدة العالم" كما سماها بعض المنهزمين في ذلك الوقت

وهكذا بادرت كل دول  العالم لتقديم مراسم الطاعة والولاء للأمريكان ففتحت الدول الاسلامية(خاصة بلدان الجزيرة العربية وباكستان ومعهم تركيا وكذلك إيران النفاق) أراضيها وأجواءها ووضعت كل امكاناتها المادية والاستخبارية بل وسخرت وسائل الاعلام لصالح "الحرب على الارهاب" بل إن الأمريكيين ذهبوا لابعد من ذلك عندما طالبوا الدول الاسلامية بالعمل على تجفيف "منابع الارهاب" أي بتعبير  أدق محاربة كل مظاهر الإسلام فحوربت الجمعيات الخيرية وكل المؤسسات الدعوية وتم فصل عدد كبير من الدعاة من أعمالهم مع منعهم من القيام بأي نشاط كما اعتقل آخرون غيرهم بل ذهبت بعض الحكومات لأبعد من ذلك عندما عمدت لهدم ومهاجمة المساجد ارضاء للامريكان أوتنفيذا لأوامرهم كهدم مسجد الشيخ عبد الكريم حميد في بريدة عام ١٤٢٥ هجري ومهاجمة المسجد الأحمر في إسلام أباد عام ٢٠٠٧ كل ذلك كان على مستوى الحكومات أما الغالبية الساحقة من أبناء الأمة فكانوا في واد آخر حيث أظهروا فرحتهم وشماتتهم لما أصاب الأمريكان في ذلك اليوم بل ظهرت حالة من النشوة بعد عقد من الإذلال نتيجة حرب الخليج الثانية وتوقيع اتفاق العار في اوسلو بين الكيان اليهودي و"منظمة التحرير الفلسطينية" وما تلاها من اجهاض للانتفاصة الأولى وحصار العراق وأحداث الجزائر والتي تحدثنا عنها سابقا

إذا تنفس المسلمون الصعداء بعد عقد مليء بالمآسي والاحباط مع الإذلال والاهانة فوصل العداء والحقد والكره للامريكان ذروته مع وجود رغبة جامحة للانتقام منهم بأي وسيلة  ذلك عند قطاع كبير من العامة أما الذين يتصدرون المشهد فكانوا على النقيض من ذلك إذ راحوا يخذلون عن الأمريكيين بمختلف العبارات فراحوا يتحدثون عن تحريم قتل الأبرياء بل ذهب بعضهم لأبعد من ذلك عندما اعتبر من قتل في مبنى البنتاجون بأنهم من الأبرياء (يوسف القرضاوي في قناة الجزيرة) وكأن البنتاغون جمعية خيرية وينسى هؤلاء أويتناسون دور تلك المؤسسة ومعها دوائر الاستخبارات بما أصاب ويصيب المسلمين وغيرهم وعلى أية حال قد يقبل أكثر الناس كرها لأمريكا وصف قتلى الطائرات التي تم اختطافها وكذلك قتلى مبنى التجارة العالمية بالأبرياء أما قتلى البنتاغون فذلك أمر آخر

المهم بالأمر أن أولئك الناس لم يطرحوا السؤال المنطقي في مثل هذه الحالات عن دوافع المنفذين لذلك العمل ولماذا قبلوا التضحية بأنفسهم وغيرهم ؟؟؟؟؟ لماذا لم يهاجم الفاعلون دولة أخرى كاليابان مثلا؟؟؟؟؟  وذهب آخرون للتفسيرات الخرافية للحدث كما أسلفنا وهكذا سقط هؤلاء وأولئك وأثبتوا أن الزمن قد عفا على طروحاتهم وأن الواقع قد تجاوزهم وهكذا كانت هذه الحادثة سببا لتمحيص الصف الإسلامي فقد كان  التمحيص فيما مضى بين العلمانيين والإسلاميين وبعد هذه الحادثة بدأ التمحيص داخل الصف الإسلامي والذي سنشاهد له فصولا أخرى لاحقا أشد وضوحا للتمايز بين من يعمل للإسلام الذي ارتضاه الله لعباده ومن يسعى لتفصيل إسلام "معتدل " يرضى عنه الآخرون وسيظهر ذلك بصورة أكثر وضوحا فيما بعد وهذا ماسنتطرق إليه لاحقا

وهكذا وجدت الامارة الفتية في أفغانستان نفسها في مواجهة حكومات العالم دفعة واحدة يضاف إلى ذلك العدو الداخلي ممثلا بتحالف الشمال أو كما سماه أصحابه"بالجبهة الإسلامية المتحدة" والذين تضاعف حقدهم على حركة طالبان والمجاهدين العرب نتيجة لاغتيال أحمد مسعود شاه أكبر القادة العسكريين في ذلك التحالف في تلك الأثناء

فكيف تصرفت حركة طالبان أمام تلك الرياح العاتية التي تهز الجبال الراسيات

هذا ماسنتحدث عنه لاحقا إن شاء الله



2021-06-09
كاتب من بيت المقدس



الاثنين، 31 مايو 2021

الجهاد الافغاني بين غلو التقديس وغلو التخوين

حقائق غائبة

الفصل الحادي والعشرون
أحداث الحادي عشر من أيلول ٢٠٠١
الجزء الأول

لم يكن يوم الثلاثاء الحادي عشر من أيلول من عام ٢٠٠١ يوما عاديا بل كان يوما تاريخيا بامتياز حيث تعرضت فيه أمريكا لأول مرة في تاريخها لأن تضرب في عقر دارها وفي أهم رموزها التي تدل على العلو في الأرض(مبنى التجارة العالمية ومبنى البنتاغون)

وقبل الحديث عن تأثير ذلك الحدث على أفغانستان لابد لنا من التوقف قليلا عند هذا الموضوع وبغض النظر عن موقفنا مما حدث فنحن هنا بصدد التوصيف والتحليل وبالطبع لا يستطيع الإنسان أن يكون محايدا في مثل هذه المسائل إذ لكل إنسان رؤيته وموقفه النابع من خلفيته وولاءاته وانتماءاته العقدية والفكرية وتركيبته العقلية والنفسية ومستوى تعليمه ومدى وعيه وادراكه لما يدور حوله من أحداث ومهما يكن من أمر  فإن المطلوب أن يكون المرء عادلا

 لقد تناقضت كثيرا التحليلات وتضاربت المعلومات حول ماجرى فالامريكيون بادروا منذ اللحظة الأولى لتوجيه الاتهام نحو الفاعلين الحقيقيين لما لديهم من أدلة لم يفصحوا عنها لأسباب قد نتطرق لبعضها لاحقا

وهنا لابد لنا أن نشير إلى أن التكتم والخداع والتضليل صفات ملازمة لجميع أجهزة الأمن والمخابرات في العالم أما لعدم معرفة ملابسات الحدث أولضرورات التحقيق وبالتالي تضليل الخصوم ومنعهم من الاستفادة من أية معلومات يتم الافصاح عنها لذا يكون الغموض  وشحة بل تناقض المعلومات التي تفصح عنها تلك الأجهزة في مثل هذه الأحداث هو الأمر الغالب مما يتيح هامشا واسعا لترويج الاشاعات كما يتيح لاصحاب نظرية المؤامرة  للاغراق في تحليلاتهم وخيالاتهم والتي تصب بعيدا عن الحقيقة

ولو استعرضنا سريعا بعض الآراء المطروحة حول هذا الحدث في حينها وحتى يومنا هذا نرى مايلي

فأصحاب نظرية المؤامرة والذين يرون أن ماجرى ليس إلا مؤامرة مفتعلة من قبل الأمريكيين ليبرروا احتلالهم لأفغانستان والعراق بعد ذلك وينسى هؤلاء أن ذلك الحدث قد جرح كرامة الأمريكيين بل والعالم الغربي برمته جرحا عميقا لا يندمل حتى لواستعملوا أسلحتهم النووية ضد المسلمين كما يقول الدكتور أكرم حجازي ويكفي أن نتذكر منظر جورج بوش الإبن وهو يقف باكيا أمام أنقاض برجي التجارة العالمية في نيويورك لنعرف حجم الاهانة التي تعرضت لها أمريكا في ذلك اليوم وهذا وحده كافيا لنسف هذا التفسير من جذوره

وذهب آخرون لاتهام الموساد الإسرائيلي والقوى الخفية التي تتحكم في هذا العالم ومازال أصحاب هذه التفسيرات الخرافية ماضون في تفسيراتهم لكل ماجرى بعد ذلك مثل تفجيرات جزيرة بالي في اندونيسيا نهاية عام ٢٠٠٢ وتفجيرات مدريد يوم ١١ اذار عام ٢٠٠٤ والتي وقعت قبيل الانتخابات في اسبانيا وكانت تهدف لاسقاط رئيس وزرائها في تلك الانتخابات لأنه وقف مع الأمريكيين في احتلال العراق عام ٢٠٠٣ وأغرب ماقرأته في دورية رسالة الاخوان اتهامهم للقوى الخفية بتنفيذ تلك التفجيرات ثم التساؤل كيف فات "القوى الخفية" أن تلك التفجيرات يمكن أن تؤدي لاسقاط  رئيس وزراء اسبانيا في تلك الأثناء خوسيه ماريا أزنار(الذي وقف مع بوش الابن بغزوه العراق عام ٢٠٠٣)في تلك الاننخابات !!!!!أي أن القوى الخفية قد أخطأت التقدير في هذه المرة فكانت النتيجة عكسية فكيف فاتهم ذلك !!!!!!!!! ز

 ومازال أصحاب هذه التفسيرات المفرطة في السطحية والخرافة يتصدرون  المشهد عندنا وماضون في تفسير كل مايجري حولنا من أحداث بهذه الطريقة التي تعمق حالة تغييب الوعي عند قطاع واسع من أبناء أمتنا ممن يتلقى معلوماته مما تبثه وسائل الاعلام ومما ينشر في مواقع التواصل الإجتماعي من خرافات وترهات تهدف أولا وأخيرا لتغييب الوعي عند أمتنا وتكريس حالة الضبابية والغثائية وظهر هؤلاء أخيرا بشكل واضح هذه الأيام مع انتشار جائحة الكورونا ليقدموا تفسيراتهم الخرافية

وأما المنهزمون من المسلمين فقد كانت حجتهم أنه ليس بمقدور أية جهة من المسلمين تنفيذ عمل بهذا الحجم وبذلك التخطيط الذي لم يخطر على بال أحد من قبل بل إن كمال الهلباوي قد قال وبالحرف الواحد إن الدول العربية مجتمعة لايمكنها تنفيذ هذا العمل(وهذا صحيح إذا تعلق الأمر بالحكومات) وامامحمد حسنين هيكل فقد اتهم الصرب بسبب مهاجمة حلف الناتو لصربيا عام ١٩٩٩ مما أدى لاستقلال اقليم كوسوفو عن صربيا أما لماذا لم يشر حسنين هيكل للفاعلين الحقيقيين فهذا يعود لخلفيته الفكرية التي لاتقيم وزنا للاسلام والمسلمين لذلك كانت تحليلاته في غاية السطحية إذا تعلق الأمر بالاسلام أو المسلمين

وفي الجهة المقابلة شاهدنا الحكومات العربية وإعلامييها يسارعون لنفي أية علاقة للعرب بذلك الحدث خوفا من بطش سيدهم في البيت الأببض بل سارعوا لتقديم مراسيم الولاء والطاعة قبل أن يشن الأمريكيون حربهم على أفغانستان

وأما الرافضة ومن يدور في فلكهم فقد بادروا لتقديم التحليلات التي تنفي علاقة الفاعلين الحقيقيين بذلك الحدث(من خلال قناة المنار الناطقة باسم حزب اللات) لأن ذلك يؤدي لخطف الأنظار نحو جهة معادية لهم لأنهم قد تصدروا المشهد الإعلامي بعد انسحاب اليهود من جنوب لبنان عام ٢٠٠٠ مما أكسبهم هالة من البطولة عند قطاع كبير من أبناء أمتنا حتى عند قطاع كبير ممن يتصدر المشهد في ساحة العمل الإسلامي لذلك نراهم ينزعجون من أي جهة إسلامية تتصدى لمواجهة أمريكا وربيبتها(الكيان اليهودي) لذا كانوا ومازالوا حريصين على أن يقدموا أنفسهم كعدو لدود"للشيطان الأكبر"وربيبته وبالتالي فلن يقبلوا أن تظهر أية جهة سنية تتبنى عملا جادا ضد أمريكا لأن ذلك سيكشف نفاقهم ودجلهم

وهنا لابد ان نشير إلى أن المحللين كانوا يستندون إلى نفي الفاعلين صلتهم بتلك العملية إضافة لشح وتنافض المعلومات الذي أشرنا إليه وهذا أدى لتبني بعض المفكرين المسلمين تفسيرات بعيدة عن الحقيقة تراجعوا عنها بعد ذلك

وعلى أية حال مهما كانت الجعجعات الإعلامية التي أبعدت التهمة عن الفاعلين الحقيقيين فإن ذلك لم يغير من موقف الأمريكيين قيد أنملة وأصروا على موقفهم بتوجيه أصابع الاتهام نحو الفاعلين الحقيقيين كما حزموا أمرهم على معاقبتهم وهكذا سارت الأمور في هذا الاتجاه وهذا ماسنتحدث عنه في الفصل القادم إن شاء الله


2021-05-31
كاتب من بيت المقدس